على الرغم من إعلان كل من الولايات المتحدة وإيران تمسكهما بالمسار الدبلوماسي كخيار مفضل لحل النزاعات، إلا أن التوتر المتصاعد بينهما، خاصة في أعقاب الاحتجاجات الأخيرة في إيران، يدفعهما إلى التلويح بخيارات أخرى وإعلان كامل الجهوزية لمواجهة تبدو محتملة. هذا المشهد المعقد يضع الدبلوماسية تحت ضغط هائل، ويثير تساؤلات جدية حول قدرة الطرفين على تفادي الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مفتوحة في منطقة الشرق الأوسط الحساسة.
خلفية تاريخية وتصاعد التوتر
تعود جذور التوترات الحالية بين واشنطن وطهران إلى عقود مضت، لكنها شهدت تصاعداً حاداً بعد انسحاب الولايات المتحدة أحادياً من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) عام 2018، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية المشددة ضمن حملة “الضغط الأقصى” التي تبنتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. هذا الانسحاب لم يقوض الاتفاق فحسب، بل أعاد إشعال فتيل العداء القديم بين البلدين، مما أدى إلى سلسلة من الحوادث الإقليمية وتصعيد في الخطاب. تتجاوز هذه التوترات القضية النووية لتشمل نفوذ إيران الإقليمي في دول مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن، بالإضافة إلى قضايا أمن الملاحة في مضيق هرمز الحيوي. كما أن الاحتجاجات الداخلية في إيران، وإن كانت شأناً داخلياً، غالباً ما تُستغل كذريعة للتدخل الخارجي أو تزيد من حدة الضغوط على النظام، مما يضيف طبقة أخرى من التعقيد على المشهد.
دبلوماسية معلنة واستعداد عسكري
في خضم هذا التوتر، تواصل التصريحات الرسمية من الجانبين التأكيد على أهمية الدبلوماسية، مع إبقاء الخيارات الأخرى على الطاولة. فقد صرحت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، فاطمة مهاجراني، بأن بلادها تسعى لحل القضايا الإقليمية والدولية عبر القنوات الدبلوماسية، مؤكدة في الوقت ذاته أن إيران “في كامل الجاهزية للرد على أية تهديدات”. وأشارت إلى أن قوة إيران تكمن في تضامنها الوطني لمواجهة الظروف العدائية، مشددة على أن “جميع سلطات الدولة تعمل بتنسيق تام وتحت قيادة موحدة” لعبور هذه الظروف الصعبة.
من جانبه، اعتبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الدبلوماسية لا تزال خياراً مطروحاً مع إيران، موضحاً أن طهران اتصلت به مراراً وترغب في التوصل لاتفاق. ومع ذلك، لم يغفل ترامب عن الإشارة إلى القوة العسكرية الأمريكية، حيث نقل موقع “أكسيوس” عنه قوله إن الولايات المتحدة لديها “أسطول ضخم بالقرب من إيران”، في إشارة إلى قرار إرسال حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” إلى الشرق الأوسط. هذه التصريحات المزدوجة تعكس استراتيجية تجمع بين فتح الباب للدبلوماسية واستعراض القوة لردع أي تصعيد.
شروط التفاوض والتحذيرات المتبادلة
تؤكد واشنطن استعدادها للتعاون إذا رغبت إيران في التواصل، لكنها تشير إلى أن الشروط اللازمة لإجراء المحادثات “معروفة” لدى طهران. هذه الشروط عادة ما تشمل قضايا تتجاوز البرنامج النووي لتشمل برنامج الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي. في المقابل، حذرت إيران مراراً من أن أي محاولات لزعزعة أمن المنطقة لن تستهدفها فقط بل ستنتشر إلى مناطق أخرى. وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أن بلاده “سترد على أي اعتداء عسكري برد يبعث على الندم”، مشدداً على أن طهران “باتت اليوم أكثر استعداداً من أي وقت مضى”.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
إن استمرار هذا التوتر يحمل في طياته تداعيات خطيرة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، يزيد الضغط على الاقتصاد الإيراني المثقل بالعقوبات، وقد يؤجج الاضطرابات الداخلية. إقليمياً، يهدد أي تصعيد بتفجير صراع أوسع نطاقاً في الشرق الأوسط، مما يؤثر على أمن الملاحة في الممرات المائية الحيوية، ويرفع أسعار النفط العالمية، ويزيد من زعزعة استقرار دول الجوار التي تعاني أصلاً من صراعات داخلية وإقليمية. دولياً، يشكل هذا الوضع تحدياً كبيراً للجهود الرامية إلى منع انتشار الأسلحة النووية، ويضع الدبلوماسية الدولية على المحك، ويهدد بتداعيات اقتصادية عالمية واسعة النطاق. إن تفادي الانفجار يتطلب حكمة سياسية فائقة وتنازلات متبادلة، وإلا فإن المنطقة والعالم قد يواجهان عواقب وخيمة.


