في تطور قضائي لافت يثير اهتمام الأوساط الإعلامية والرياضية في مصر، أحالت جهات التحقيقات المختصة في منطقة العجوزة بالقاهرة الإعلامي المصري البارز عمرو أديب إلى المحكمة المختصة. يأتي هذا الإجراء بعد اتهامات موجهة إليه بالسب والقذف والتشهير برئيس نادي الزمالك السابق، المستشار مرتضى منصور، بالإضافة إلى إساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي. هذه القضية ليست مجرد نزاع قانوني عادي، بل هي حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المواجهات بين شخصيتين تتمتعان بنفوذ واسع وتأثير كبير في الرأي العام المصري، مما يضعها تحت مجهر المتابعة الدقيقة.
خلفية النزاع: صراع يتجاوز الشاشات
تعود جذور هذه القضية إلى بلاغ تقدم به المستشار مرتضى منصور، الذي يُعرف بأسلوبه الصريح والمثير للجدل، يتهم فيه عمرو أديب بتوجيه عبارات مسيئة ومهينة له عبر منصات التواصل الاجتماعي وبرنامجه التلفزيوني، وهو ما اعتبره منصور جريمة سب وقذف وتشهير تستوجب المحاسبة القانونية. هذه الاتهامات ليست بجديدة في الساحة المصرية، حيث تتكرر النزاعات القانونية بين الشخصيات العامة والإعلاميين حول حدود حرية التعبير ومسؤولية الكلمة. وقد قامت النيابة العامة، بعد تلقيها البلاغ، بالتحقيق مع الإعلامي عمرو أديب، وفي إطار الإجراءات القانونية المتبعة، قررت إحالته إلى المحكمة المختصة لاستكمال مراحل المحاكمة. ورغم عدم تحديد موعد بعد لأولى جلسات المحاكمة، إلا أن مسار القضية يشير إلى تصعيد كبير في الأزمة التي احتدمت بين أديب ومنصور خلال الأشهر الأخيرة من عام 2025، لتتحول إلى معركة قضائية وإعلامية شرسة.
أرض الزمالك: شرارة الخلاف الكبرى
كانت قضية سحب أرض نادي الزمالك المخصصة لإقامة فرع جديد في مدينة 6 أكتوبر هي الشرارة التي فجرت الخلافات الأخيرة بين أديب ومنصور، وحولتها إلى معركة إعلامية وقانونية شاملة. هذه الأرض كانت تمثل حلماً لجماهير الزمالك ومستقبلاً للنادي، حيث كان مخططاً لها أن تستوعب منشآت رياضية واجتماعية ضخمة تخدم أعضاء النادي وتوسع قاعدته الجماهيرية. بدأت الأزمة في أغسطس 2025، عندما تصاعد الجدل حول قرار سحب هذه الأرض، وهو ما أثار غضباً واسعاً في الأوساط الزملكاوية. هنا، دخل عمرو أديب على الخط، مستخدماً منبر برنامجه «الحكاية» على قناة MBC مصر، ليوجه اتهامات مباشرة وصريحة لمرتضى منصور، محملاً إياه المسؤولية الكاملة عن هذا السحب. ادعى أديب أن منصور كان وراء تقديم بلاغ أدى إلى سحب الأرض، واصفاً هذا الفعل بأنه “طعنة في قلب مستقبل النادي”، مما ألهب المشاعر وأشعل فتيل المواجهة.
تصعيد إعلامي غير مسبوق: “مجلس الخراب”
بلغ الهجوم الإعلامي ذروته في حلقة بتاريخ 29 أغسطس 2025، حيث لم يتوانَ عمرو أديب عن استخدام عبارات شديدة اللهجة وغير مسبوقة في وصفه لمرتضى منصور. فقد صرح أديب بأن “مرتضى منصور فكرة يجب أن تموت”، وأضاف بلهجة تحدٍ: “فلست يا مورتا وعجزت ومبقتش تخوف حد”، في إشارة واضحة إلى تراجع نفوذ منصور. كما اتهمه بحمل “حقد دفين” تجاه مجلس إدارة الزمالك الحالي برئاسة حسين لبيب، واصفاً فترة رئاسة منصور السابقة للنادي بـ”مجلس الخراب”، وهي تسمية لاقت صدى واسعاً بين الجماهير. لم يقتصر هجوم أديب على الجانب اللفظي، بل تجاوز ذلك إلى التلميح بوجود إثباتات قانونية قوية قد تفتح الباب أمام ملاحقات قضائية ضد منصور، مؤكداً أن النادي يشهد مرحلة من الصعود والاستقرار بعد فترة من الفوضى والاضطرابات التي عاصرها خلال رئاسة منصور. كما أثار أديب تساؤلاً جوهرياً في إحدى حلقاته: “من يقف وراء دعم مرتضى منصور في مصر؟”، وهو ما أثار جدلاً واسعاً وتكهنات عديدة في الأوساط الرياضية والإعلامية، مما يعكس حساسية القضية وتشابكها مع دوائر أوسع من مجرد نزاع رياضي.
رد مرتضى منصور: 40 بلاغاً وتصعيد مضاد
لم يكن مرتضى منصور، المعروف بشخصيته التي لا تقبل الصمت أمام الهجوم، ليقف مكتوف الأيدي أمام هذه الاتهامات. فقد رد بقوة وحزم عبر صفحته الرسمية على موقع “فيسبوك”، وهي المنصة التي يستخدمها بكثافة للتواصل مع جماهيره ومهاجمة خصومه. أعلن منصور عن تقديمه ما يزيد عن 40 بلاغاً رسمياً إلى النائب العام ضد عمرو أديب، متهماً إياه بالسب والقذف والتشهير، ومؤكداً على عزمه على اتخاذ كافة الإجراءات القانونية المتاحة. ووصف منصور أديب بـ”الكاذب المأجور”، وهدد بنشر فيديوهات قال إنها ستؤكد صدق ادعاءاته وتفضح ما وصفه بأكاذيب أديب. كما دافع عن موقفه بشأن أرض الزمالك، مشيراً إلى أن الأرض أصبحت ملكاً لأعضاء النادي بعد تعاقد مجلس إدارته السابق مع هيئة المجتمعات العمرانية لشرائها، معتبراً أن سحبها يمثل ظلماً كبيراً للنادي وأعضائه. وفي 20 أغسطس 2025، صعّد منصور من موقفه بتقديم شكوى رسمية إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ضد أديب ومسؤولي قناة MBC مصر، مدعياً أن حلقة برنامج «الحكاية» تضمنت “قذفاً وسباً وتهديداً بالقتل”، وهو ما اعتبره انتهاكاً صارخاً لقانون العقوبات وميثاق الشرف الإعلامي. وفي تطورات لاحقة، أعلن منصور عن تقديم بلاغات إضافية ضد أديب، متهماً إياه باستخدام ألفاظ غير لائقة تحرض على الكراهية، وطالب بمحاسبته قانونياً. وفي منشور مؤثر له، قال منصور: “أنا مش محمي… سُجنت 6 مرات، لكن كرامتي أهم”، في إشارة إلى تاريخه الطويل مع القضايا والتحديات، مؤكداً استعداده لمواجهة أديب في ساحات المحاكم مهما كلف الأمر.
تطورات قضائية متلاحقة وتداعيات أوسع
تواصلت فصول التصعيد القانوني، ففي 2 سبتمبر 2025، رد عمرو أديب بتحرير محضر رسمي في قسم شرطة العجوزة، متهماً مرتضى منصور بالسب والقذف والتشهير، وذلك على خلفية التصريحات النارية التي أطلقها منصور ضده. هذه الخطوة تعكس تحول الصراع من مجرد تبادل للاتهامات الإعلامية إلى معركة قضائية متعددة الأوجه. وفي المقابل، أصدرت نيابة العجوزة في 13 أكتوبر 2025 أمراً باستدعاء أديب للتحقيق في البلاغات المتعددة المقدمة من منصور، والتي تتهمه بـ”السب والقذف وتشويه السمعة”. وتواصل النيابة العامة مراجعة دقيقة لمحتوى الحلقات التلفزيونية المثيرة للجدل والاستماع إلى أقوال جميع الأطراف المعنية، في محاولة لكشف الحقائق وتطبيق القانون. ولم يقتصر الأمر على هذا النزاع الشخصي، فقد أشار مجلس إدارة نادي الزمالك الحالي، برئاسة حسين لبيب، إلى تقديمه بلاغات منفصلة ضد مرتضى منصور إلى النائب العام، وذلك على خلفية مخالفات مالية وإدارية جسيمة يُزعم أنها وقعت خلال فترة رئاسته للنادي. وتضمنت هذه المخالفات ديوناً ضخمة بلغت قيمتها 2.583 مليار جنيه، وهي تركة مالية ثقيلة أثرت بشكل كبير على استقرار النادي ومستقبله، مما يضيف بعداً آخر لهذه القضية المعقدة ويربطها بمسائل الحوكمة والمساءلة في المؤسسات الرياضية الكبرى.
تاريخ طويل من التوتر: صراع متجدد
إن الخلاف الحالي بين عمرو أديب ومرتضى منصور ليس وليد اللحظة، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من التوترات والمواجهات التي شهدتها العلاقة بينهما على مدى سنوات عديدة. فكلاهما شخصية عامة قوية، لا تخشى المواجهة، مما يجعل تصادمهما أمراً شبه حتمي. في أبريل 2024، على سبيل المثال، أقام أديب دعوى قضائية ضد مرتضى منصور بتهمة السب والقذف، وهي قضية انتهت بحكم المحكمة الاقتصادية ببراءة منصور. هذا الحكم، بدلاً من أن ينهي الصراع، أشعل جولة جديدة من العداء، مؤكداً أن العلاقة بينهما محكومة بديناميكية من الشد والجذب والتقاضي. هذه الخلفية التاريخية تضع القضية الراهنة في سياق أوسع، حيث تعكس نمطاً متكرراً من الصراعات القانونية والإعلامية التي غالباً ما تنتهي بتصعيد جديد، مما يثير تساؤلات حول طبيعة الخطاب العام وحدود النقد المسموح به في الفضاء الإعلامي المصري.
تأثيرات القضية وتداعياتها المستقبلية
تتجاوز تداعيات هذه القضية مجرد نزاع شخصي بين فردين، لتلقي بظلالها على المشهد الإعلامي والرياضي والقانوني في مصر. محلياً، تسلط الضوء على حساسية قضايا السب والقذف في ظل قوانين العقوبات المصرية، وتبرز التحديات التي تواجه حرية التعبير في مواجهة اتهامات التشهير. كما أنها تعكس مدى تأثير الشخصيات العامة على الرأي العام، وكيف يمكن للخلافات أن تتحول إلى قضايا رأي عام تثير اهتمام الملايين. إقليمياً، قد تتابع الأوساط الإعلامية العربية هذه القضية كنموذج لتفاعلات الإعلاميين مع المسؤولين، وتأثيرها على صورة المؤسسات. أما على صعيد نادي الزمالك، فإن هذه التطورات، خاصة ما يتعلق بالاتهامات الموجهة لمرتضى منصور بشأن المخالفات المالية، قد تؤثر على استقرار النادي ومستقبله الإداري والمالي. من المتوقع أن تستمر هذه القضية في تصدر عناوين الأخبار، مع ترقب الجميع لقرارات المحكمة وتأثيرها المحتمل على مسار العلاقة بين هاتين الشخصيتين البارزتين، وعلى المشهد العام في مصر.


