في خطوة دبلوماسية لافتة، تلقّى الرئيس السوري أحمد الشرع اتصالاً هاتفياً من نظيره الأمريكي دونالد ترمب، في محادثة تناولت بعمق تطورات المرحلة الانتقالية الحساسة في سورية. ركز الجانبان على الجهود المشتركة لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، واستكشاف آفاق التعاون الثنائي الذي من شأنه أن يخدم الاستقرار الإقليمي والدولي على حد سواء. هذا الاتصال يمثل مؤشراً على أهمية الدبلوماسية المباشرة في معالجة القضايا المعقدة التي تواجه الشرق الأوسط.
خلال المكالمة، أكد الرئيس السوري أحمد الشرع على تمسك سورية الكامل بوحدة أراضيها وسيادتها الوطنية، وهي مبادئ أساسية لأي حل دائم للصراع. كما شدد على حرص الدولة على الحفاظ على مؤسساتها وتعزيز السلم الأهلي، معتبراً إياها ركائز لا غنى عنها لإعادة بناء الدولة. وفي سياق التحديات الأمنية المستمرة، أبرز الشرع أهمية توحيد الجهود الدولية لمنع عودة التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها تنظيم «داعش» الإرهابي الذي لا يزال يشكل تهديداً كبيراً للمنطقة والعالم. هذه النقاط تعكس الأولويات القصوى لأي حكومة تسعى لاستعادة الاستقرار بعد سنوات من النزاع.
وأوضح الرئيس الشرع أن «سورية الجديدة» تتبنى نهج الانفتاح وتمد يدها للتعاون مع كل الأطراف الدولية على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. هذا التوجه نحو الانفتاح يمثل تحولاً مهماً، ويهدف إلى إعادة دمج سورية في المجتمع الدولي. واتفق مع الرئيس الأمريكي على ضرورة تغليب لغة الحوار في حل النزاعات الإقليمية، مؤكداً أن «الدبلوماسية النشطة» هي السبيل الوحيد لتجاوز الأزمات المزمنة في المنطقة. هذه الدعوة للحوار تعكس إدراكاً بأن الحلول العسكرية وحدها لا يمكن أن تحقق سلاماً مستداماً.
دعم أمريكي لسورية موحدة ومستقرة
من جانبه، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب دعم بلاده لتطلعات الشعب السوري في بناء دولة موحدة وقوية، وهو ما يتماشى مع الرؤى الدولية الرامية إلى الحفاظ على وحدة سورية. ورحب ترمب باتفاق وقف إطلاق النار، واصفاً إياه بأنه خطوة مفصلية نحو إنهاء النزاع الذي استمر لأكثر من عقد من الزمان، مخلفاً وراءه دماراً هائلاً ومعاناة إنسانية غير مسبوقة. كما أشاد بالتفاهمات المتعلقة بدمج القوى العسكرية، بما فيها «قوات سوريا الديمقراطية – قسد»، ضمن مؤسسات الدولة الرسمية، وهي خطوة حاسمة نحو بناء جيش وطني موحد وضمان الاستقرار الداخلي.
وفي الشأن الاقتصادي، أبدى الرئيس الأمريكي استعداد واشنطن لدعم جهود إعادة الإعمار في سورية، من خلال تشجيع الاستثمار وتهيئة بيئة جاذبة لرؤوس الأموال. تأتي هذه المبادرة في وقت حرج، حيث تقدر تكلفة إعادة الإعمار بمليارات الدولارات، وهي ضرورية لإعادة الحياة إلى المدن المدمرة وتوفير فرص العمل للسوريين. أكد ترمب أن استقرار سورية الاقتصادي يشكل ركناً أساسياً في استقرار منطقة الشرق الأوسط بأسرها، مشدداً على أن التعافي الاقتصادي هو مفتاح منع تجدد الصراعات وتوفير مستقبل أفضل للشعب السوري.
السياق العام والتأثيرات المتوقعة
يأتي هذا الاتصال الهاتفي في سياق إقليمي ودولي معقد، حيث تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات جيوسياسية كبيرة. الصراع السوري، الذي بدأ في عام 2011، أدى إلى أزمة إنسانية غير مسبوقة، وتشريد الملايين، وظهور قوى إقليمية ودولية متعددة على الساحة السورية. إن أي حوار مباشر بين القيادتين السورية والأمريكية، حتى لو كان في سياق مرحلة انتقالية، يحمل أهمية بالغة في إرساء أسس تفاهمات مستقبلية قد تسهم في تخفيف حدة التوترات الإقليمية. تاريخياً، كانت العلاقات بين البلدين تتسم بالتعقيد، مما يجعل هذا الاتصال نقطة تحول محتملة.
إن أهمية هذا الحدث لا تقتصر على الجانب الثنائي فحسب، بل تمتد لتشمل تأثيرات إقليمية ودولية واسعة. على الصعيد الإقليمي، يمكن أن يفتح التعاون بين واشنطن ودمشق آفاقاً جديدة لمعالجة قضايا الأمن الإقليمي، بما في ذلك مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود. كما يمكن أن يؤثر إيجاباً على استقرار دول الجوار التي تأثرت بشكل مباشر بالصراع السوري. دول مثل لبنان والأردن وتركيا والعراق عانت من تدفق اللاجئين والتهديدات الأمنية، وأي تقدم نحو السلام في سورية سيخفف الضغط عنها.
أما على الصعيد الدولي، فإن استقرار سورية يمثل عنصراً حاسماً في تحقيق الأمن العالمي. عودة الاستقرار إلى سورية يمكن أن يقلل من موجات الهجرة غير الشرعية، ويحد من انتشار التطرف، ويساهم في تعزيز التعاون الدولي لمواجهة التحديات العالمية. إن دعم جهود إعادة الإعمار، كما أشار الرئيس ترمب، ليس مجرد مساعدة إنسانية، بل هو استثمار في السلام العالمي. من المتوقع أن يؤدي هذا الحوار إلى تعزيز الثقة بين الأطراف، وربما يمهد الطريق لمؤتمرات دولية أوسع نطاقاً تهدف إلى صياغة مستقبل سورية ما بعد الصراع، مع التركيز على بناء دولة قوية وموحدة قادرة على تحقيق تطلعات شعبها.


