spot_img

ذات صلة

ستارمر في الصين: زيارة تاريخية لتعزيز العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية

في خطوة دبلوماسية واقتصادية بالغة الأهمية، يتوجه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر غداً (الأربعاء) إلى العاصمة الصينية بكين، في أول زيارة لرئيس وزراء بريطاني منذ عام 2018. تهدف هذه المهمة إلى إذابة الجليد الذي خيم على العلاقات الثنائية بين لندن وبكين لسنوات، والتقارب مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم، في مسعى لتعزيز المصالح البريطانية في ظل تحديات اقتصادية عالمية.

تأتي هذه الزيارة بعد فترة من التوتر والفتور في العلاقات البريطانية-الصينية، والتي شهدت تدهوراً ملحوظاً خلال فترة حكم الحكومة المحافظة السابقة. فبعد “العصر الذهبي” الذي شهدته العلاقات في عهد رئيس الوزراء ديفيد كاميرون ووزير المالية جورج أوزبورن، والذي تميز بتعزيز الاستثمارات الصينية في البنية التحتية البريطانية وتعميق التعاون الاقتصادي، بدأت العلاقات تتراجع تدريجياً. تفاقم هذا التراجع بسبب قضايا حساسة مثل قمع الحريات في هونغ كونغ، والانتهاكات المزعومة لحقوق الإنسان في إقليم شينجيانغ، بالإضافة إلى قرار المملكة المتحدة بحظر شركة هواوي من شبكة الجيل الخامس لأسباب أمنية. هذه القضايا أدت إلى “عصر جليدي” دبلوماسي، حيث انخفضت الزيارات رفيعة المستوى وتصاعدت حدة الخطاب بين البلدين.

وذكرت مجلة «بوليتيكو» أن رئيس الوزراء البريطاني يسعى في لقائه المرتقب مع الرئيس الصيني شي جين بينج إلى تجاوز هذه المرحلة الصعبة وإبرام صفقات يمكن تسويقها للناخبين باعتبارها دفعة حيوية لاقتصاد بريطانيا المتعثر. فبعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تسعى لندن جاهدة لإعادة تعريف دورها العالمي وإقامة شراكات تجارية جديدة لتعويض الخسائر المحتملة. وتُعد الصين، بأسواقها الضخمة وقوتها الاقتصادية المتنامية، شريكاً لا غنى عنه لأي دولة تسعى لتعزيز نموها الاقتصادي.

لا يقتصر هذا التوجه على بريطانيا وحدها، فقد انضم ستارمر إلى طابور من القادة الأوروبيين الذين يتجهون إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم، من بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في ديسمبر الماضي، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس الشهر القادم. تعكس هذه الزيارات رغبة أوروبية أوسع في تحقيق توازن بين المصالح الاقتصادية الحيوية مع الصين والمخاوف الجيوسياسية وحقوق الإنسان. وبينما حذر ستارمر الأسبوع الماضي من أن العالم يعيش أكثر فتراته اضطراباً منذ جيل، فإن هذه الزيارة قد تكون محاولة لإيجاد مسارات للتعاون في عالم متعدد الأقطاب.

من جانبها، رحبت وزارة الخارجية الصينية بالزيارة، مؤكدة استعداد الصين لتعزيز الثقة المتبادلة مع بريطانيا وتعميق التعاون العملي مع مجموعة الدول السبع. وأشار المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية قوه جياكون إلى أن ستارمر سيلتقي خلال الزيارة، التي تستمر من الأربعاء إلى السبت، بالرئيس شي جين بينج، ورئيس الوزراء لي تشيانج، وكبير المشرعين الصينيين تشاو ليجي، مما يؤكد على مستوى الأهمية التي توليها بكين لهذه الزيارة.

يقود ستارمر وفداً يضم أكثر من 50 شركة ومؤسسة بريطانية من قطاعات حيوية تشمل التمويل والرعاية الصحية والتصنيع، وفقاً لما ذكرته وزارة التجارة الصينية. هذا الوفد الكبير يشير إلى الطموح البريطاني في توقيع وثائق تجارية واستثمارية خلال الزيارة، والتي من شأنها أن تفتح آفاقاً جديدة للشركات البريطانية في السوق الصينية وتجذب استثمارات صينية إلى المملكة المتحدة. وتؤكد الصين استعدادها لتعزيز التواصل بشأن السياسات التجارية والاقتصادية لخلق أجواء أعمال عادلة وشفافة وقائمة على سيادة القانون للتعاون بين الشركات من الجانبين.

التأثير المتوقع للزيارة:

  • على الصعيد الاقتصادي البريطاني: يمكن أن تسهم الزيارة في تنشيط الاقتصاد البريطاني من خلال صفقات تجارية واستثمارية جديدة، مما يوفر فرص عمل ويعزز النمو في قطاعات رئيسية.
  • على الصعيد الدبلوماسي: تمثل الزيارة فرصة لإعادة بناء قنوات الاتصال رفيعة المستوى، ومعالجة بعض القضايا العالقة، وربما إيجاد أرضية مشتركة للتعاون في قضايا عالمية مثل تغير المناخ والأمن السيبراني.
  • على الصعيد الجيوسياسي: قد تشير هذه الزيارة إلى تحول محتمل في استراتيجية الغرب تجاه الصين، من المواجهة الصريحة إلى نهج أكثر براغماتية يوازن بين المصالح الاقتصادية والمخاوف الأمنية وحقوق الإنسان، وهو ما يُعرف بـ “تخفيف المخاطر” (de-risking) بدلاً من “فك الارتباط” (decoupling).
  • بالنسبة للصين: تعزز الزيارة صورة الصين كشريك اقتصادي ودبلوماسي موثوق به، وتساعد في كسر العزلة الدبلوماسية التي قد تحاول بعض الدول فرضها عليها، وتؤكد على أهمية الصين كقوة عالمية لا يمكن تجاهلها.

في الختام، تُعد زيارة كير ستارمر إلى الصين حدثاً محورياً يحمل في طياته إمكانية إعادة تشكيل مسار العلاقات البريطانية-الصينية، وربما يؤثر على الديناميكيات الجيوسياسية والاقتصادية الأوسع نطاقاً في عالم يشهد تحولات متسارعة.

spot_imgspot_img