spot_img

ذات صلة

إيران تنفي التفاوض مع واشنطن: شروط الحوار وتصاعد التوتر

في تطور يعكس حالة التوتر الدبلوماسي المعقد بين طهران وواشنطن، نفى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بشكل قاطع إجراء أي اتصال مباشر مع المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف خلال الأيام الماضية، أو تقديم أي طلب لإجراء مفاوضات. هذا النفي يأتي في سياق تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، ويؤكد على الشروط الصارمة التي تضعها إيران لأي حوار محتمل مع الولايات المتحدة.

خلفية تاريخية من التوتر والجمود الدبلوماسي

تعود جذور التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى عقود مضت، وتحديداً منذ الثورة الإيرانية عام 1979 وأزمة الرهائن في السفارة الأمريكية. ورغم فترات متقطعة من الانفراج النسبي، إلا أن العلاقة ظلت تتسم بالعداء والشك المتبادل. شهدت هذه العلاقة منعطفاً حاسماً في عام 2015 بتوقيع الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) بين إيران والقوى العالمية الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة. كان هذا الاتفاق يهدف إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات الدولية.

إلا أن الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي في مايو 2018، بقرار من الرئيس دونالد ترامب، وإعادة فرض “حملة الضغط الأقصى” عبر عقوبات اقتصادية واسعة النطاق استهدفت قطاعات النفط والمصارف الإيرانية، أعاد العلاقات إلى نقطة التجمد، بل ودفعها نحو حافة المواجهة. ترى طهران أن هذا الانسحاب يمثل خرقاً للاتفاق ومحاولة لتقويض سيادتها، بينما ترى واشنطن أن الاتفاق كان معيباً ولا يعالج سلوك إيران الإقليمي أو برنامجها الصاروخي.

شروط إيران للحوار وغموض قنوات الاتصال

في تصريحات لوسائل إعلام رسمية، أكد عراقجي أنه “لم يكن هناك أي اتصال بيني وبين ويتكوف في الأيام القليلة الماضية، ولم نتلق أي طلب للتفاوض”. ومع ذلك، أشار إلى أن “وسطاء مختلفين يجرون مشاورات ويتواصلون مع طهران”، مما يترك الباب مفتوحاً أمام قنوات اتصال غير مباشرة أو سرية. هذا التلميح يتوافق مع ما كشفت عنه طهران في وقت سابق من الأسبوع عن وجود “قناة اتصال مفتوحة” بين عراقجي وويتكوف، مما يثير تساؤلات حول طبيعة هذا النفي؛ هل هو نفي للاتصال المباشر أو لطلب التفاوض الرسمي؟

وشدد عراقجي على أن المفاوضات، إن حدثت، يجب أن تتم “من موقع متكافئ وعلى أساس الاحترام المتبادل وتحقيق المصالح المتبادلة”، محذراً من أن “المفاوضات لا يمكن أن تنسجم مع التهديد”. هذه الشروط تعكس الموقف الإيراني الثابت الرافض للتفاوض تحت الضغط أو التهديد، وتؤكد على ضرورة تخلي الطرف الآخر عن المطالب المبالغ فيها والتهديدات.

الوجود العسكري الأمريكي وتصريحات ترامب المتضاربة

تتزامن هذه التطورات الدبلوماسية مع تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط. فقد أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) وصول مجموعة ضاربة بقيادة حاملة الطائرات الأمريكية “أبراهام لينكولن” إلى المياه الإقليمية للمنطقة، في خطوة تُفسر على أنها رسالة ردع لإيران. في المقابل، أكدت إيران عزمها على الرد على أي هجوم، محذرة من مغبة أي تصعيد عسكري.

من جانبه، أرسل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إشارات متضاربة. فبينما أشار إلى وجود “أسطول كبير قرب إيران” ملمحاً إلى خيارات عسكرية محتملة، أعرب في الوقت نفسه عن اعتقاده بأن “الإيرانيين يريدون التوصل إلى اتفاق” وأنهم “يريدون الحوار”. هذه التصريحات تعكس استراتيجية “العصا والجزرة” التي يتبعها ترامب، حيث يجمع بين الضغط العسكري والاقتصادي مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام الدبلوماسية، وإن كانت بشروطه.

وكشفت تقارير إعلامية أن ترامب رفض مناقشة خيارات عسكرية أكثر تصعيداً قدمها له فريق الأمن القومي، مما يشير إلى تفضيله للحل الدبلوماسي أو على الأقل تجنب المواجهة العسكرية المباشرة في تلك المرحلة. كما أشارت صحيفة “نيويورك تايمز” إلى تقارير استخباراتية تفيد بأن “موقف الحكومة الإيرانية يضعف” وأن قبضتها على السلطة باتت “في أضعف حالاتها”، وهو ما قد يفسر جزءاً من استراتيجية الضغط الأمريكية.

تداعيات إقليمية ودولية محتملة

إن استمرار هذا الجمود الدبلوماسي وتصاعد التوتر يحمل في طياته تداعيات خطيرة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. على الصعيد الإقليمي، يمكن أن يؤدي أي تصعيد إلى زعزعة استقرار منطقة الخليج العربي، التي تعد شرياناً حيوياً لإمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز. كما يمكن أن يؤجج الصراعات بالوكالة في اليمن وسوريا والعراق، ويزيد من المخاوف الأمنية لدول الجوار وإسرائيل.

دولياً، يثير هذا الوضع قلقاً بشأن مستقبل الاتفاق النووي واحتمال استئناف إيران لأنشطتها النووية المحظورة، مما يهدد نظام عدم الانتشار النووي. كما يؤثر على أسعار النفط العالمية والاقتصاد العالمي بشكل عام. داخلياً في إيران، تزيد العقوبات من الضغوط الاقتصادية على المواطنين، مما قد يؤدي إلى مزيد من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية، ويضع الحكومة الإيرانية أمام تحديات داخلية متزايدة.

في الختام، تبقى العلاقة بين واشنطن وطهران في مفترق طرق حرج، حيث تتشابك التصريحات الدبلوماسية المتناقضة مع التحركات العسكرية الاستراتيجية. وبينما يصر كل طرف على شروطه، يترقب العالم بحذر أي تطور قد يدفع بالمنطقة إما نحو التهدئة أو نحو تصعيد غير محسوب العواقب.

spot_imgspot_img