الدنمارك تعلن “نهاية النظام العالمي” وتدعو للتكاتف الأوروبي الأمريكي حول أمن القطب الشمالي
في تصريح يعكس تحولات جيوسياسية عميقة، أعلنت رئيسة وزراء الدنمارك، مته فريدريكسن، أن النظام العالمي الذي عرفه العالم على مدى الثمانين عامًا الماضية قد “انتهى ولن يعود”. جاء هذا التصريح خلال مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس وزراء غرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، في جامعة “ساينس بو” للعلوم السياسية في باريس. ودعت فريدريكسن الولايات المتحدة وأوروبا إلى التكاتف والعمل المشترك، مشددة على أن لديهما مخاوف مشتركة تتعلق بأمن منطقة القطب الشمالي الحيوية.
دعوة للتكاتف في مواجهة التحديات الجديدة
أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية على ضرورة إيجاد سبل للمضي قدمًا مع الولايات المتحدة، مشيرة إلى أن روسيا لا تسعى للسلام مع أوروبا، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني. هذه الدعوة للتكاتف تأتي في وقت تشهد فيه العلاقات عبر الأطلسي توترات، خاصة بعد مطالبة الولايات المتحدة بالسيطرة على غرينلاند. وقد ساهمت هذه المطالب في تسريع الجهود الأوروبية لتقليل الاعتماد على واشنطن، حتى مع تراجع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن تهديداته بفرض رسوم جمركية واستبعاده الاستيلاء على غرينلاند بالقوة.
غرينلاند: سيادة راسخة ورفض للضغوط
من جانبه، شدد رئيس وزراء غرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، على أن غرينلاند، التي تتمتع بحكم ذاتي واسع ضمن مملكة الدنمارك، تحتاج إلى تعزيز المراقبة والأمن في منطقتها. ومع ذلك، أكد نيلسن بحزم أن بلاده “لن تستسلم للضغوط الخارجية”. وأوضح أن حكومته تواجه تحديًا كبيرًا في صد هذه الضغوط الخارجية وتهدئة مخاوف وقلق شعبها. وأشار إلى أن غرينلاند تتفق على ضرورة زيادة المراقبة والأمن في المنطقة، خاصة في ظل السلوك الروسي الحالي الذي يثير القلق.
خلفية تاريخية وأهمية استراتيجية للقطب الشمالي وغرينلاند
تكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي الفريد لغرينلاند ودورها المحوري في منطقة القطب الشمالي. غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، هي إقليم يتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك منذ عام 1979، ولها تاريخ طويل من الروابط مع الدنمارك يعود لقرون. لطالما كانت المنطقة القطبية الشمالية محط أنظار القوى الكبرى بسبب مواردها الطبيعية الهائلة غير المستغلة، مثل النفط والغاز والمعادن النادرة، بالإضافة إلى ممراتها الملاحية المحتملة التي تفتحها ظاهرة ذوبان الجليد. الاهتمام الأمريكي بغرينلاند ليس جديدًا؛ فقد حاولت الولايات المتحدة شراء الجزيرة في مناسبات سابقة، أبرزها بعد الحرب العالمية الثانية، مما يؤكد على قيمتها الاستراتيجية الدائمة.
النظام العالمي المتغير وتأثيره على القطب الشمالي
إن إعلان الدنمارك عن “نهاية النظام العالمي” يعكس تحولًا أوسع نحو عالم متعدد الأقطاب، حيث تتزايد المنافسة الجيوسياسية بين القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا. في هذا السياق، أصبح القطب الشمالي ساحة جديدة لهذه المنافسة، حيث تسعى روسيا إلى تعزيز وجودها العسكري والاقتصادي، وتطمح الصين إلى توسيع نفوذها عبر “طريق الحرير القطبي”. هذه الديناميكيات تضع دول المنطقة، بما في ذلك الدنمارك وغرينلاند، في موقف دقيق يتطلب موازنة المصالح الوطنية مع التحديات الأمنية والاقتصادية الإقليمية والدولية.
تأكيد التضامن الأوروبي ودعم السيادة
في إطار هذه الجهود الدبلوماسية، قام رئيسا وزراء الدنمارك وغرينلاند بزيارة إلى ألمانيا وفرنسا لحشد الدعم الأوروبي في مواجهة مساعي الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب للحصول على الجزيرة. التقى الزعيمان بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه في باريس، بعد لقائهما بالمستشار الألماني فريدريش ميرتس على هامش قمة “فيلت” الاقتصادية في برلين. أكد مكتب رئيسة الوزراء الدنماركية أن المناقشات تركزت على “الوضع الراهن للسياسة الخارجية والحاجة إلى أوروبا أكثر قوة”. من جانبه، أكد مكتب الرئيس الفرنسي أن ماكرون يعتزم إعادة تأكيد التضامن الأوروبي ودعم فرنسا لسيادة الدنمارك وغرينلاند وسلامة أراضيهما. كما تطرق الزعماء الثلاثة إلى التحديات الأمنية في القطب الشمالي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية في غرينلاند، مع استعداد فرنسا والاتحاد الأوروبي لدعم هذه الجهود.
هذه التحركات الدبلوماسية تؤكد على الأهمية المتزايدة للقطب الشمالي كمنطقة استراتيجية، وعلى تصميم الدنمارك وغرينلاند على حماية سيادتهما ومصالحهما في ظل نظام عالمي يتشكل من جديد.


