في ظل تصاعد غير مسبوق للتوترات في منطقة الشرق الأوسط، وتزامناً مع تحركات عسكرية أمريكية مكثفة، أطلقت إيران تحذيرات شديدة اللهجة، مؤكدةً جاهزيتها للرد على أي عدوان. جاء ذلك على لسان كبار المسؤولين الإيرانيين، حيث هدد مستشار المرشد الأعلى علي شمخاني باستهداف “قلب تل أبيب” في حال تعرض بلاده لأي هجوم، بينما أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن “اليد على الزناد” وأن القوات المسلحة الإيرانية على أهبة الاستعداد.
تأتي هذه التصريحات في سياق بيئة إقليمية ودولية مشحونة، حيث تشهد العلاقات بين طهران وواشنطن ذروة التوتر منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) في عام 2018. وقد أدت سياسة “الضغط الأقصى” التي تبنتها الإدارة الأمريكية، والتي شملت إعادة فرض عقوبات اقتصادية قاسية على إيران، إلى تدهور كبير في الأوضعات الاقتصادية الإيرانية ودفع طهران إلى تقليص التزاماتها النووية تدريجياً، مما زاد من مخاوف المجتمع الدولي.
تهديدات مباشرة وجاهزية للرد:
أوضح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده سترد بقوة وسرعة وعمق أكبر على أي عمل عسكري، مستشهداً بـ “درس حرب الـ12 يوماً” (في إشارة محتملة إلى صراعات سابقة أو مناورات عسكرية). وشدد عراقجي على أن إيران ترحب دوماً باتفاق نووي منصف يضمن حقوقها في التكنولوجيا النووية السلمية، مؤكداً أن الأسلحة النووية ليست جزءاً من حسابات بلاده الأمنية وأن طهران لم تسعَ قط لامتلاكها، رغم إصرارها على حقها في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية.
من جانبه، حذر مستشار خامنئي علي شمخاني من أن أي ضربة محدودة ضد إيران ستُعتبر “وهمًا”، وأن الرد سيكون “فوريًا وشاملًا وغير مسبوق”، معتبراً أي عمل عسكري أمريكي بمثابة “بداية حرب شاملة”. هذه التصريحات تعكس مستوى عالٍ من الاستعداد الإيراني لمواجهة أي تصعيد عسكري محتمل، وتؤكد على استراتيجية الردع التي تتبناها طهران في مواجهة التهديدات الخارجية.
السياق الإقليمي والدولي:
تاريخياً، شهدت العلاقات بين إيران وإسرائيل توتراً مستمراً، حيث تعتبر طهران إسرائيل عدواً إقليمياً رئيسياً، وتدعم فصائل مسلحة في المنطقة تعارض الوجود الإسرائيلي. لذا، فإن التهديد باستهداف تل أبيب يحمل دلالات استراتيجية عميقة، ويعكس مدى خطورة الموقف الذي قد يتطور إلى مواجهة أوسع نطاقاً تتجاوز حدود البلدين.
لم تقتصر التحذيرات على الجانب الإيراني، فقد أعلنت البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة أن رد طهران سيكون “غير مسبوق” في حال تعرضها لهجوم أمريكي، مؤكدة استعداد إيران للحوار القائم على الاحترام والمصالح المتبادلة، ولكنها ستدافع عن نفسها بقوة إذا تعرضت للضغط. يأتي هذا في الوقت الذي حذرت فيه الصين، عبر سفيرها لدى الأمم المتحدة فو تسونغ، من “مغامرة عسكرية” في الشرق الأوسط، مؤكداً أن استخدام القوة لا يمكن أن يحل المشكلات، وأن أي مغامرة عسكرية لن تفعل سوى دفع المنطقة نحو “هاوية المجهول”. هذه المواقف الدولية تعكس القلق المتزايد من تداعيات أي تصعيد عسكري في منطقة حيوية للعالم.
تداعيات محتملة وردود فعل دولية:
على الجانب الآخر، نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مصادر أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يعقد اجتماعاً أمنياً لبحث الملف الإيراني وتطورات الوضع في غزة، مما يشير إلى أن إسرائيل تراقب الوضع عن كثب وتستعد لمختلف السيناريوهات. وتفيد التقديرات في إسرائيل بأن الإدارة الأمريكية قد تدرس تغيير النظام الإيراني، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد.
وفي تطور آخر يعكس الضغط الدولي المتزايد على طهران، ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أكدت موافقتها على إدراج الحرس الثوري الإيراني بقائمة الإرهاب. هذه الخطوة، إن تمت، ستكون لها تداعيات اقتصادية وسياسية كبيرة على إيران، وقد تزيد من عزلتها الدولية وتصعد من حدة التوتر مع الغرب.
إن أي مواجهة عسكرية محتملة في الشرق الأوسط سيكون لها تأثيرات كارثية ليس فقط على المنطقة، بل على الاقتصاد العالمي بأسره، خاصة فيما يتعلق بأسعار النفط واستقرار الملاحة في الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز. لذا، فإن الدعوات إلى ضبط النفس والحوار الدبلوماسي تكتسب أهمية قصوى لتجنب انزلاق المنطقة إلى صراع مدمر.


