كشف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم (الأربعاء)، عن البند المحوري الذي لا يزال يعرقل التوصل إلى حل نهائي للحرب الروسية الأوكرانية المستمرة، مؤكداً أن منطقة دونيتسك تمثل النقطة الشائكة المتبقية التي تحتاج إلى تقريب وجهات النظر خلال المحادثات الجارية بوساطة الولايات المتحدة. يأتي هذا التصريح ليُسلط الضوء على التعقيدات الجيوسياسية والعسكرية التي تحيط بهذا الصراع الدامي.
تُعد منطقة دونيتسك، الواقعة في إقليم دونباس شرق أوكرانيا، بؤرة للتوتر والصراع منذ عام 2014، عندما اندلعت اشتباكات بين القوات الأوكرانية والانفصاليين المدعومين من روسيا. وقد شهد هذا الإقليم، إلى جانب لوهانسك، تصعيداً كبيراً مع بدء الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا في فبراير 2022. تمثل دونيتسك أهمية استراتيجية واقتصادية كبيرة لكونها جزءاً من الحزام الصناعي لأوكرانيا، كما أنها تُعد ممراً حيوياً يربط روسيا بشبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا في عام 2014. إن السيطرة على هذه المنطقة أو وضعها المستقبلي هو جوهر الخلاف الذي يعرقل أي اتفاق سلام دائم.
وخلال إفادة أمام الكونغرس، أوضح روبيو أن المحادثات التي تقودها بلاده صعبة للغاية، مشيراً إلى أن الضمانات الأمنية المطروحة لأوكرانيا تتضمن نشر عدد محدود من القوات الأوروبية إلى جانب «الغطاء الأمريكي». وأضاف أن النقاش الدائر بشأن «الضمانات الأمنية، ولا سيما في حالة أوكرانيا، ينتهي عملياً إلى أن الضمانة الحقيقية هي الدعم الأمريكي»، موضحاً أن نشر عدد محدود من القوات الأوروبية، خصوصاً الفرنسية والبريطانية، في أوكرانيا بعد الحرب يبقى غير ذي جدوى من دون هذا الدعم. هذا التأكيد يبرز الدور المحوري للولايات المتحدة في حفظ الأمن الأوروبي، ويُلقي بظلاله على قدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها بشكل مستقل.
تُشكل هذه التصريحات جزءاً من نقاش أوسع حول مستقبل الأمن الأوروبي ودور حلف شمال الأطلسي (الناتو). أشار روبيو إلى أن الناتو يحتاج بالتأكيد إلى إعادة تصور، ليس بشأن الغاية منه، بل من حيث القدرات، مبيناً أن ضعف استثمارات الحلفاء في قدراتهم الدفاعية خلال العقود الماضية، يفرض واقعاً لا يمكن تجاهله. هذا الواقع يضع ضغوطاً متزايدة على الولايات المتحدة، التي لا يمكنها استخدام الجنود أنفسهم ولا السفن نفسها في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ في آن واحد. وأعرب روبيو عن أمله في أن يكون هذا الوضع قد بدأ يتغير بالفعل في بعض الدول، مؤكداً أن أمريكا مضطرة إلى إجراء خيارات وتعديلات مهما توسعت قدراتها العسكرية.
إن تأثير الصراع في أوكرانيا يتجاوز الحدود المحلية والإقليمية ليطال الأمن العالمي والاقتصاد الدولي. فعلى الصعيد المحلي، تعاني أوكرانيا من دمار هائل وخسائر بشرية فادحة، وتواجه تحديات إعادة الإعمار الهائلة. إقليمياً، أدى الصراع إلى إعادة تشكيل التحالفات الأمنية في أوروبا، وزيادة الإنفاق الدفاعي، وتدفق ملايين اللاجئين. دولياً، أثرت الحرب على أسواق الطاقة والغذاء العالمية، وأعادت تعريف العلاقات بين القوى الكبرى، وأثارت تساؤلات حول فعالية القانون الدولي ومستقبل النظام العالمي.
وكان الكرملين قد أعلن في وقت سابق اليوم، أن محادثات السلام الثلاثية بين روسيا، وأوكرانيا، والولايات المتحدة ستُستأنف (الأحد)، واصفاً المفاوضات بأنها معقدة وتُجرى على مستوى الخبراء. هذه المحادثات، رغم صعوبتها، تمثل بصيص أمل في التوصل إلى حل دبلوماسي، لكن تصريحات روبيو تؤكد أن الطريق لا يزال طويلاً ومليئاً بالعقبات، وأن مصير دونيتسك سيظل في صميم أي تسوية محتملة.




