في سجلات التاريخ الثقافي والإعلامي للمملكة العربية السعودية، تتلألأ أسماء شخصيات تركت بصمة لا تُمحى، ومن بين هذه الأسماء اللامعة يبرز اسم خير الله زربان. لم يكن مجرد عابر سبيل في الحياة، بل كان مهندسًا لأثر عميق يشبه روحه النقية، كرّس حياته بكل إخلاص للتعليم والإعلام والثقافة. لم ينظر إلى هذه المجالات كوظائف عابرة، بل كرسالة سامية حملها على عاتقه، سطر فصولها بأعماله الجليلة قبل أن تُخط بالكلمات.
لقد تجلى جوهر تجربته التربوية في تعامله الفريد مع ذوي الاحتياجات الخاصة. لم يكن خير الله زربان مجرد معلم، بل كان مربيًا وإنسانًا يرى في كل فرد شريكًا كاملاً في الحياة، وليس مجرد حالة تعليمية تتطلب الرعاية. تعامله معهم كان مزيجًا من المحبة العميقة والاحترام اللامحدود، مما جعل حضوره بينهم مصدرًا للطُمأنينة والأمان، وغرس في نفوسهم الثقة بأنفسهم وقدراتهم. هذا النهج الإنساني الرائد لم يترك أثرًا في نفوس طلابه فحسب، بل ساهم في ترسيخ ثقافة الدمج والتقدير في المجتمع السعودي، مؤكدًا على أهمية احتضان جميع أفراد المجتمع وتوفير البيئة المناسبة لازدهارهم.
في عالم الإعلام، كان صوت خير الله زربان متميزًا بالصدق والوضوح، بعيدًا عن الزيف والضجيج. آمن إيمانًا راسخًا بأن الكلمة مسؤولية عظيمة، وأن الثقافة هي فعل محبة للمجتمع بأسره. كان له دور محوري في إثراء المشهد الثقافي السعودي، خاصة من خلال عمله في صحيفة «المدينة»، حيث كان من أوائل من أدركوا أهمية الفنون البصرية ومنحوها المساحة التي تستحقها في الصحافة المحلية. من خلال ملحق «الأربعاء الثقافي» الشهير، الذي كان بمثابة منارة ثقافية في بداياته، عمل زربان على تحويل الفن من مجال نخوي مقتصر على فئة معينة إلى لغة يومية يتفاعل معها الجمهور العريض. لقد ساهم هذا التوجه في كسر الحواجز بين الفن والمجتمع، وفتح آفاقًا جديدة للفنانين التشكيليين لعرض أعمالهم والتواصل مع جمهور أوسع، مما أثرى الحركة الفنية في المملكة بشكل ملحوظ.
لم يقتصر دور زربان على الكتابة، بل امتد ليكون ممثلاً بارزًا للصحافة الثقافية السعودية على الصعيدين المحلي والإقليمي. كان قريبًا من الفنانين التشكيليين، يتابع تجاربهم الفنية عن كثب، ويقدم لهم الدعم المعنوي والمادي في مسيرتهم الإبداعية، ليس فقط داخل المملكة بل في أنحاء الوطن العربي. ترأس العديد من اللجان الإعلامية في قطاعات حيوية مثل التعليم، والأندية الأدبية، وجمعيات الثقافة والفنون، والجمعية السعودية للفنون التشكيلية (جسفت)، بالإضافة إلى إشرافه على الجوانب الإعلامية لمعارض الكتاب في المدن السعودية والعواصم العالمية. هذا الدعم الصادق والمستمر، النابع من محبته العميقة للفن وخبرته الأكاديمية في تدريسه، جعله ركيزة أساسية في تطور الفن التشكيلي السعودي، من حيث الحضور الإعلامي، والتغطية النقدية، والتشجيع المستمر للمواهب. لقد كان صوته بمثابة سند قوي للفنانين وجسر متين يربط بين الإبداع الفني والمجتمع، مما ساهم في رفع مكانة الفن التشكيلي وجعله جزءًا لا يتجزأ من الهوية الثقافية للمملكة.
تجاوز تأثير خير الله زربان حدود المهنة ليصبح قدوة في العطاء والتفاني. كان حضوره في الفعاليات والمعارض الفنية والثقافية أشبه بحضور القائد الهادئ الذي يعرف الطريق ويُرشد الآخرين إليه دون أن يسعى للتقدم في الصفوف. كان ينظم ويجمع ويُشجع، يزرع بذور الجمال والإبداع أينما حل، ويمنح الموهوبين مساحة آمنة للوقوف تحت الأضواء دون خوف أو تردد. لقد كان سفيرًا حقيقيًا لصحيفة «المدينة» في المحافل العربية والعالمية، يحمل اسمها بفخر واعتزاز، تمامًا كما يحمل الإنسان اسمه الأول في قلبه. هذه الروح القيادية المتواضعة، المقترنة بعمق المعرفة والخبرة، جعلت منه مرجعًا ومصدر إلهام للكثيرين في الأوساط الثقافية والإعلامية.
على مدى أكثر من أربعة وثلاثين عامًا، ظل خير الله زربان عضوًا فاعلاً في لجان إعلامية لا تُحصى، خاصة في مناسبات «تعليم جدة». كان يعمل بصمت وتفانٍ، يمنح من وقته وجهده دون انتظار مقابل، مؤمنًا بأن العطاء هو جوهر الرسالة. ورغم نيله العديد من الشهادات والتكريمات المحلية والعربية والعالمية، إلا أنها لم تُغير شيئًا من بساطته وتواضعه. ظل هو ذاته، بخفة دمه، وصفاء روحه، وتصالحه العميق مع ذاته ومع الناس من حوله. كان كريمًا حد البذل والعطاء، يمد يد العون لكل محتاج، ويقدم الدعم لكل موهوب. إنسانيًا، كان خير الله زربان مدرسة متكاملة في الأخلاق والقيم النبيلة. كان رجلاً يعرف كيف يكون قريبًا من القلوب دون أن يُثقل، وكيف يكون حاضرًا بفعالية دون أن يفرض نفسه. علاقاته الإنسانية كانت مبنية على الاحترام المتبادل والتقدير العميق، وكانت كلمته دائمًا تشبه قلبه؛ صادقة، هادئة، ومضيئة بالخير والحكمة. هذه الصفات جعلت منه شخصية محبوبة ومحترمة على نطاق واسع.
اليوم، ومع وداعه للخدمة الرسمية، فإن أثره الخالد لا يودعنا. فبصماته باقية في عقول وقلوب طلاب أحبوه، وفي الكلمات التي خطها، وفي اللوحات الفنية التي عُلقت بفضل دعمه، وفي ذاكرة مدينة جدة والمملكة بأسرها التي عرفت اسمه مرتبطًا بالثقافة والجمال والإنسانية. خير الله زربان لم يكن مجرد شخصية عابرة في زمنه، بل كان جزءًا أصيلًا من روحه، جسّد ببراعة التناغم بين اللوحة والكلمة، وبين الإنسان والرسالة السامية. لقد ترك خلفه إرثًا ثقافيًا وإنسانيًا لا يغادر الذاكرة، لأنه من يزرع المحبة والعطاء لا يرحل أبدًا، بل يتحول إلى حضور دائم ومُلهم في القلوب والعقول، ويبقى اسمه محفورًا كرمز للعطاء والتفاني في خدمة الثقافة والمجتمع.


