spot_img

ذات صلة

هدى شعراوي: وداع فنانة سوريا الكبيرة وتأثيرها الخالد

بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، ينعى الوسط الفني السوري والعربي قاطبةً الفنانة القديرة هدى شعراوي، التي وافتها المنية تاركةً خلفها إرثاً فنياً غنياً ومسيرة حافلة بالعطاء. وقد أعلن نقيب الفنانين السوريين، مازن الناطور، عن تشييع جثمان الفقيدة غداً بعد صلاة الجمعة في سوريا، حيث ستوارى الثرى في المقابر الخاصة بأسرتها، في وداع مهيب يليق بمكانتها الفنية والإنسانية.

تُعد وفاة الفنانة هدى شعراوي خسارة فادحة للدراما السورية والعربية، فقد كانت رمزاً للأصالة والعفوية في الأداء، وتركت بصمة لا تُمحى في وجدان الجمهور. وقد أكد الناطور أن الساحة الفنية فقدت برحيلها شخصية بارزة أسهمت في تشكيل جزء مهم من الذاكرة الفنية الجماعية، من خلال أعمالها الفنية المميزة التي عكست الواقع السوري بصدق وعمق.

مسيرة فنية حافلة بالعطاء والإبداع

ولدت الفنانة هدى شعراوي في 28 أكتوبر 1938 في حي الشاغور العريق بمدينة دمشق، وبدأت رحلتها الفنية في سن مبكرة، حيث كانت إذاعة دمشق هي بوابتها الأولى لعالم الفن. ومن هناك، انتقلت إلى خشبة المسرح والتلفزيون في سبعينات القرن الماضي، لتثبت موهبتها الفذة وقدرتها على تجسيد مختلف الأدوار ببراعة. على مدار عقود، شاركت في عشرات الأعمال الدرامية والمسرحية والإذاعية، تاركةً بصمات واضحة في كل عمل قدمته.

اشتهرت الفنانة الراحلة بشكل واسع بدورها الأيقوني “أم زكي” في مسلسل “باب الحارة”، الذي يُعد أحد أبرز الأعمال الدرامية السورية وأكثرها جماهيرية على الإطلاق. هذا الدور، الذي جسدته شعراوي ببراعة فائقة، منحها شهرة عربية واسعة وجعلها جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الشعبية، حيث ارتبطت شخصية “أم زكي” في أذهان الملايين بالمرأة الشامية الأصيلة، القوية، والذكية، التي تمثل قيم العائلة والمجتمع الدمشقي القديم. لم تكن “أم زكي” مجرد شخصية عابرة، بل أصبحت أيقونة تعبر عن فترة ذهبية في الدراما السورية، وتجسيداً حياً لقدرة هدى شعراوي على الغوص في أعماق الشخصيات وتقديمها بصدق مؤثر.

تأثيرها على الدراما السورية والعربية

لم يقتصر تأثير هدى شعراوي على دور “أم زكي” فحسب، بل امتد ليشمل مساهماتها المتعددة في إثراء الدراما السورية التي لطالما عُرفت بجودتها وعمقها. ففي فترة شهدت فيها الدراما السورية ازدهاراً كبيراً، كانت هدى شعراوي واحدة من الركائز الأساسية التي ساهمت في هذا النجاح، بتقديمها لأدوار متنوعة أثرت المشهد الفني. لقد كانت جزءاً من جيل من الفنانين الذين رسخوا مكانة الدراما السورية كقوة إقليمية مؤثرة، قادرة على معالجة قضايا اجتماعية وإنسانية بأسلوب جذاب ومقنع.

إن رحيل فنانة بحجم هدى شعراوي يترك فراغاً كبيراً في الساحة الفنية، لكن إرثها الفني سيبقى خالداً في ذاكرة الأجيال. فالفنانون الحقيقيون لا يرحلون بموت أجسادهم، بل تبقى أعمالهم شهوداً على عطائهم وإبداعهم. وستظل أعمالها، وخاصة دور “أم زكي”، محفورة في الذاكرة الجماعية كجزء لا يتجزأ من تاريخ الفن السوري والعربي، ومصدر إلهام للأجيال القادمة من الممثلين والمبدعين.

تتقدم أسرة تحرير «عكاظ» بأحر التعازي والمواساة لأسرة الفقيدة ولنقابة الفنانين السوريين والجمهور العربي، سائلين المولى عز وجل أن يتغمدها بواسع رحمته ويسكنها فسيح جناته.

spot_imgspot_img