spot_img

ذات صلة

هدير عبدالرزاق تستأنف حكم سجنها: جدل الأدلة الرقمية وحرية التعبير

تستعد محكمة جنح مستأنف القاهرة الاقتصادية لاستضافة جلسة حاسمة في 19 أبريل القادم، للنظر في الاستئناف المقدم من البلوغر الشهيرة هدير عبدالرزاق، ضد الحكم الصادر بمعاقبتها هي وطليقها محمد علاء، المعروف بـ«أوتاكا»، بالسجن والغرامة. تأتي هذه القضية في سياق اتهامات تتعلق بالنشر عبر الشبكة العنكبوتية وتطبيق «تليغرام»، مستندة إلى المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، بالإضافة إلى اتهامات أخرى مرتبطة بالمحتوى المنسوب إليهما.

تكتسب هذه القضية أهمية بالغة في المشهد القانوني المصري، خاصة مع التوسع الهائل لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها المتزايد على الرأي العام. فقد شهدت مصر، كغيرها من دول المنطقة، طفرة في ظهور المؤثرين وصناع المحتوى الرقمي، مما استدعى وضع أطر قانونية لتنظيم هذا الفضاء. ويُعد قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات لعام 2018 أحد أبرز هذه الأطر، حيث يهدف إلى مكافحة الجرائم الإلكترونية وحماية البيانات الشخصية، لكنه في الوقت ذاته يثير نقاشات واسعة حول حدود حرية التعبير الرقمي.

لم تكن قضية هدير عبدالرزاق هي الأولى من نوعها التي تشغل الرأي العام وتضع المؤثرين تحت المجهر القانوني. ففي السنوات الأخيرة، شهدت المحاكم المصرية عدة قضايا مماثلة استهدفت شخصيات عامة ومؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي بتهم تتعلق بنشر محتوى يُعتبر مخالفًا للقانون أو للآداب العامة. هذه السوابق تبرز التحديات التي تواجه المنظومة القانونية في التعامل مع الأدلة الرقمية المتغيرة باستمرار، وتؤكد على الحاجة الماسة لمعايير واضحة ودقيقة في جمعها وتحليلها.

من جانبه، يرتكز دفاع البلوغر، ممثلاً بالدكتور هاني سامح، على أسباب جوهرية تمس «أصل الإسناد»، مؤكداً أن ملف الدعوى يفتقر إلى دليل تقني قاطع يربط المتهمة بفعل النشر أو إدارة أي قناة أو حساب. السؤال المحوري الذي يطرحه الدفاع بقوة هو: «مَن نشر؟ ومَن أدار؟»، مشيراً إلى أن هذا التساؤل ظل بلا إجابة فنية حاسمة، مما يلقي بظلال من الشك على صحة الاتهامات الموجهة.

ويوضح الدفاع أن ما قُدِّم بوصفه «دليلاً رقمياً» بدأ من مُبلِّغ مدني قام بتحميل المقاطع المصوّرة على هاتفه ثم نقلها إلى وسيط تخزين وقدمه إلى الجهات الرسمية. ويشدد الدفاع على أن هذه العملية تمت بدون توثيق جنائي رقمي كافٍ، أو «بصمة رقمية» (Hash) أو صورة جنائية مطابقة للأصل (Forensic Image). هذا النقص في التوثيق يفتح الباب أمام احتمالات الإضافة أو الحذف أو التعديل للمحتوى، ويهدر بذلك «سلسلة الحيازة» الواجبة في الأدلة الرقمية، وهي مبدأ أساسي لضمان سلامة وموثوقية الدليل.

كما تمسك الدفاع بوجود مأخذ إجرائي وصفه بـ«شديد الخطورة» يتعلق بالحرز، مشيراً إلى ثبوت إضافة «مقطع ثالث» على ذات وسيط التخزين داخل التحقيقات بعد فض الحرز. هذا الإجراء يخلّ بسلامة الأحراز ويُضعف حجّتها القانونية، ويجعل الدفاع أمام دليل ممتزج لا يمكن الجزم بحالته وقت تقديمه الأصلي، مما يثير تساؤلات جدية حول نزاهة عملية جمع الأدلة وحفظها.

وأضاف الدكتور سامح أن التقرير الفني المقدم في القضية لا يقرر «رفعاً مباشراً» لمقاطع على «تليغرام»، وإنما يرصد «لقطة ورابطاً خارجياً» لمحتوى مستضاف خارج التطبيق وتم حذفه لاحقاً. واعتبر أن هذا يُنشئ تعارضاً جوهرياً بين صياغة الاتهام وحقيقة الفحص الفني، فضلاً عن اضطراب زمني يتعلق برصد نشر خارجي مؤرخ في 2024 مقابل قيد الواقعة في 2025، وهي تناقضات قد تؤثر بشكل كبير على مسار القضية.

تُعد هذه القضية محكاً حقيقياً لتطبيق قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وتأثيرها يتجاوز المتهمين ليشمل مجتمع صناع المحتوى الرقمي في مصر. فالأحكام الصادرة في مثل هذه القضايا تشكل سوابق قضائية قد تؤثر على كيفية تعامل القانون مع المحتوى الرقمي مستقبلاً، وتحدد المعايير التي يجب على الأفراد والمؤسسات الالتزام بها عند النشر عبر الإنترنت. كما أنها تسلط الضوء على أهمية تطوير الخبرات القضائية والتقنية للتعامل مع تعقيدات الجرائم الإلكترونية.

على الصعيد الإقليمي والدولي، تتابع منظمات حقوق الإنسان والمدافعون عن الحريات الرقمية مثل هذه القضايا باهتمام، حيث تعكس التحديات العالمية في الموازنة بين حماية المجتمع من الجرائم الإلكترونية وضمان حرية التعبير. إن دقة الإجراءات القانونية وشفافية التعامل مع الأدلة الرقمية في هذه القضية يمكن أن تكون نموذجاً يحتذى به أو تثير المزيد من المخاوف حول مستقبل الحريات الرقمية.

واختتم سامح بأن هذه الأسباب في مجملها تمثل «ركائز جدية للبراءة»، وتؤسّس لوجوب إعادة تقييم الإسناد والدليل الرقمي أمام محكمة الاستئناف، مع التمسك بأن الواقعة، في جوهرها، تسريب واعتداء على الخصوصية وانتهاك جسيم لحقوق المتهمين الدستورية. وتترقب الأوساط القانونية والإعلامية بفارغ الصبر قرار المحكمة، الذي سيكون له صدى واسع في تحديد مسار قضايا المحتوى الرقمي في مصر.

spot_imgspot_img