spot_img

ذات صلة

تسمية الشوارع بأسماء الأدباء: تكريم ثقافي وتحديات المعايير

أثار إطلاق اسم الناقد الدكتور سعد البازعي على شارع رئيسي في محافظة الأحساء مؤخرًا، نقاشًا واسعًا حول أحقية المثقفين والأدباء في تخليد أسمائهم على الشوارع والميادين في مناطقهم، لا سيما تلك التي شهدت اهتمامهم وعطاءهم الفكري. هذا التكريم، الذي يمثل اعترافًا بقيمة الرموز الثقافية، يفتح في الوقت ذاته باب التساؤل عن المعايير والضوابط التي تتبعها الأمانات والبلديات في اختيار هذه الأسماء، وكيف يمكن الموازنة بين التطلعات الثقافية والأنظمة الإدارية.

السياق التاريخي والثقافي لتسمية الأماكن

إن تقليد تسمية الشوارع والميادين بأسماء الشخصيات البارزة ليس بجديد، بل هو ممارسة حضارية عريقة تعود إلى قرون مضت في مختلف أنحاء العالم. فمنذ العصور الرومانية التي كانت تُطلق أسماء الأباطرة والقادة على الطرقات، وصولًا إلى المدن الحديثة التي تكرم علمائها وفنانيها ومناضليها، يظل الهدف الأساسي هو حفظ الذاكرة الجماعية وتخليد إنجازات من أسهموا في بناء الحضارة الإنسانية. في السياق العربي والإسلامي، ارتبطت هذه الممارسة غالبًا بأسماء الصحابة والعلماء والقادة التاريخيين، لتشكل جزءًا لا يتجزأ من الهوية الثقافية للمدن. هذه الأسماء ليست مجرد لافتات إرشادية، بل هي شواهد حية على تاريخ المكان ورموزه، وتعبير عن القيم التي يعتز بها المجتمع.

أهمية المبادرة وتأثيرها المتوقع

تكتسب مبادرة تسمية الشوارع بأسماء الأدباء والمثقفين أهمية بالغة على عدة مستويات. على الصعيد المحلي، تعزز هذه المبادرات الشعور بالفخر والاعتزاز لدى أبناء المنطقة برموزهم الثقافية، وتجعل تاريخهم الفكري ملموسًا في الفضاء العام. كما أنها تمثل أداة تعليمية صامتة، حيث تدفع المارة والزوار إلى التساؤل عن هذه الشخصيات وإسهاماتها، مما يثري المخزون الثقافي للأجيال الجديدة ويغذي الوعي الوطني. إقليميًا ودوليًا، تعكس هذه المبادرات صورة حضارية للمملكة العربية السعودية، وتبرز اهتمامها بالثقافة والفكر، وتؤكد على مكانة المثقفين كركائز أساسية في بناء المجتمع وتقدمه، وهو ما يتماشى تمامًا مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تركز على تعزيز الهوية الوطنية والثقافة والفنون كجزء لا يتجزأ من جودة الحياة.

تطلعات المثقفين: تكريم مستحق

يرى الكاتب علي مغاوي أن تخليد أسماء المؤثرين في الثقافة والآداب والفنون هو مهمة رسمية تقع على عاتق الوطن، مؤكدًا أن مواقع التخليد تحتاج إلى منصات مكانية بارزة. ويعد هذه المرحلة فرصة لإكرام جهود وإنصاف أدوار المهتمين بالفكر والأدب والفن. وقد شارك المؤرخ محمد ربيع الغامدي تجربة شخصية مؤثرة، حيث عبر عن سعادته باكتشاف مسكنه في شارع يحمل اسم الشاعر والإعلامي مطلق مخلد الذيابي، واصفًا ذلك بأنه ‘هدية الأمانة للجميع’. ويرى الغامدي أن هذه المبادرات، التي اكتسبت زخمًا كبيرًا في ظل الرؤية المباركة وطموحات القيادة، هي ‘جائزة الجوائز’ التي تترك أثرًا خالدًا في قلوب الأدباء وأسرهم ومحبيهم.

من جانبه، أكد الدكتور أحمد بن محمد الحميد أن إطلاق اسم شخصية على شارع هو مخاطبة لعارفين بفضلها، سواء كانت شخصية تاريخية أو اعتبارية، مشيرًا إلى أن التسمية في حياة الأديب تعد مدعاة للفخر والتقدير، وبعد وفاته هي تكريم لذويه. وتطلع الحميد إلى إقامة احتفاليات بهذه التسميات وتثبيت لوح حجري في أول الشارع يعرف الأجيال بالرجل وجهوده.

الناقد الدكتور محمد الدبيسي عدّ تسمية الشوارع بأسماء العلماء والأدباء والمثقفين ‘فعلًا ثقافيًا واعيًا وثيق الصلة بالهوية والذاكرة’، يظهر إدراك القائمين لقيمة من صنعوا تاريخ المدينة وأسهموا في بناء كيانها. ويرى الدبيسي أنها وسيلة تعليمية صامتة تستدعي سيرة ‘العَلَم’ وإسهامه، وتغذي المخزون الثقافي للأجيال، وتمنح المكان شخصية واضحة المعالم. كما لفت إلى توجيه أمير منطقة المدينة المنورة سابقًا، الأمير فيصل بن سلمان، بإطلاق اسم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي على أحد الشوارع الرئيسة في المدينة المنورة، مؤكدًا على أهمية اقتران زيادة أعداد الشوارع بحسن الترتيب والانسجام بين الاسم والمكان لتكوين فضاء ذي دلالة رمزية واضحة.

بدوره، وصف الناقد الدكتور سعد بن سعيد الرفاعي تسمية الشوارع بأسماء الأعلام بأنها ‘سلوك حياتي وعمل حضاري’، لما فيها من تكريم وتحفيز للأجيال القادمة. واقترح إضافة تعريف موجز بالأديب أو المثقف من خلال ‘كود’ أو سطر صغير أسفل اللوحة، لتغدو لوحات الأسماء جزءًا من الإثراء الثقافي.

معايير الأمانات: بين الضوابط والتطلعات

في المقابل، تلتزم الأمانات والبلديات بمعايير وأنظمة محددة لتفادي الإشكاليات، مثل تحديد أي الشخصيات أحق بالتكريم. وقد دفع هذا بعض لجان التسمية إلى اختيار أسماء كلاسيكية قديمة لا ترتبط بالضرورة بالمكان. الناقد الدكتور محمد الدبيسي انتقد ‘عومية’ معايير التسمية في بعض المناطق، وغياب ‘التحقيق والفرز والعِلميَّة’ التي كانت أولى بالاعتماد، داعيًا إلى معايير واضحة تقوم على إسهام الأسماء وأثرها المباشر في التعليم، والعلم الشرعي، والصحافة، والفكر، والعمل الاجتماعي والاقتصادي، ومن عاشوا وعملوا من أجل المنطقة.

وثمّن الدكتور سعد الرفاعي لوزارة البلديات تشكيل لجان لتسمية الشوارع والميادين منذ عام 2014، لكنه دعا إلى تفعيل هذه اللجان بحيث يكون أعضاؤها من المحيطين بالثقافة والتاريخ والشأن العام، لترشيح الأسماء التي ترقى إلى مستوى التمثيل ودرجة الإنجاز، سواء من الناحية القيمية، أو الفكرية، أو الانتماء الوطني، أو تميز الإنجاز والتأثير. وعبر عن أسفه لتسمية بعض الشوارع بأسماء غريبة، متحفظًا على ترشيح أسماء لا تملك منجزًا حقيقيًا، وتأتي فقط بفضل المحاباة أو المعرفة الشخصية.

من جانبها، أوضحت أمانة منطقة المدينة المنورة أن تسمية الطرق تخضع لإجراءات وتعليمات معتمدة ومعايير محددة من وزارة البلديات والإسكان، من أبرزها عرض الطريق وأهميته. وأكد أمين محافظة الأحساء المهندس عصام عبداللطيف الملا أن التسمية ترتبط بلجنة خاصة في المحافظة، وأن إطلاق أسماء بعض الشخصيات يأتي بتوجيهات مباشرة من الدولة (كشهداء الواجب) أو من وزارة البلديات بالشراكة مع وزارات أخرى. وأشار إلى أن المبادرات الحالية ترتبط بالأدباء الأحياء المنتمين للمنطقة بالولادة أو العيش، وأن مسار التسمية يبدأ بالترشيح ثم الموافقة واختيار الشارع المناسب، ثم الاعتماد من الإمارة أو المحافظة والتنفيذ من القطاع البلدي. كما أوضح نائب أمين منطقة عسير الدكتور أحمد الفيفي أن التسمية تتم بأسماء الأدباء والمثقفين متى ما استوفت الضوابط والإجراءات المعتمدة، بناءً على طلبات من الجهات المختصة ودراستها وفق الأنظمة والمعايير قبل اعتمادها وتنفيذها.

خاتمة: نحو رؤية متكاملة

إن التوازن بين الرغبة في تكريم الرموز الثقافية وضرورة الالتزام بالمعايير الإدارية هو مفتاح نجاح هذه المبادرات. فمن خلال لجان تسمية فاعلة وشفافة تضم خبراء في الثقافة والتاريخ، ومعايير واضحة تركز على الإسهام الحقيقي والأثر الملموس، يمكن للمدن أن تحتفي بأدبائها ومثقفيها بطريقة تليق بهم، وتثري الفضاء العام، وتلهم الأجيال القادمة، وتساهم في بناء هوية وطنية ثقافية راسخة تتماشى مع تطلعات المملكة نحو مستقبل مشرق.

spot_imgspot_img