في تطور لافت أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية والفنية المصرية والعربية، ردت أسرة الفنان الراحل عبد الحليم حافظ بحزم على تصريحات الكاتب والإعلامي إبراهيم عيسى، التي قارن فيها بين «العندليب الأسمر» والفنان عمرو دياب. وصفت أسرة حليم ما قاله عيسى بـ«الكلام المضحك» و«النكتة»، مؤكدة على مكانة عبد الحليم حافظ الخالدة في تاريخ الغناء العربي.
من جانبه، أكد محمد شبانة، نجل شقيق عبد الحليم حافظ، أن «حليم رحل منذ ما يقارب الخمسين عامًا، ورغم ذلك ما زال متربعًا على عرش الغناء العربي، ولا يمكن لأي أحد أن ينافسه مهما كانت الإنجازات». وأشار شبانة إلى أن الفنان عمرو دياب نفسه قد عبّر في مناسبات عديدة عن حبه وتقديره الكبير لعبد الحليم حافظ وتأثره بفنه، مما يضع تصريحات عيسى في سياق يثير التساؤلات حول دوافعها.
جاءت هذه التصريحات المثيرة للجدل بعد أن صرح إبراهيم عيسى بأن «عمرو دياب أهم كثيرًا من عبد الحليم»، مستندًا في رأيه إلى أن دياب غنى 175 أغنية بلغات العالم، ويُعد ثالث أكثر الفنانين استماعًا عالميًا، بينما غنى حليم لبعض الحكام. هذه المقارنة أثارت موجة عارمة من الاستنكار بين النقاد والجمهور على حد سواء، الذين رأوا فيها تجاهلاً للتاريخ الفني والقيم الثقافية.
السياق التاريخي والفني للمقارنة:
لفهم عمق هذا الجدل، يجب العودة إلى السياق التاريخي لكل فنان. عبد الحليم حافظ، الذي بزغ نجمه في خمسينيات القرن الماضي، كان رمزًا لعصر ذهبي في الموسيقى المصرية والعربية. فنان الشعب، وصوت الثورة، ارتبط اسمه بالنهضة القومية والوجدان العربي في فترة ما بعد ثورة يوليو. لم يكن حليم مجرد مطرب، بل كان ظاهرة ثقافية تعكس آمال وطموحات جيل كامل، وقدم أعمالاً فنية خالدة جمعت بين الرومانسية والوطنية، وأثرت في تشكيل الذوق الفني العربي. أغانيه لم تكن مجرد ألحان وكلمات، بل كانت جزءًا لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية، تحمل قيمًا فنية ووطنية عميقة، وتتجاوز حدود الترفيه لتصبح جزءًا من الهوية الثقافية.
في المقابل، ظهر عمرو دياب في ثمانينيات القرن الماضي ليؤسس لمرحلة جديدة في الموسيقى العربية المعاصرة. يُعرف بكونه رائدًا في تحديث الأغنية الشبابية، ومزج الألحان الشرقية بالإيقاعات الغربية الحديثة، مما خلق ما يُعرف بـ«موسيقى البحر الأبيض المتوسط». حقق دياب نجاحًا عالميًا غير مسبوق لفنان عربي، ووصلت أغانيه إلى قوائم الاستماع العالمية، مما جعله أيقونة للشباب ومثالاً للنجاح التجاري والانتشار الدولي. لقد ساهم في تعريف جيل كامل بنوع جديد من الموسيقى، وفتح آفاقًا جديدة للفنانين العرب نحو العالمية.
أهمية الجدل وتأثيره:
يرى الأكاديمي محمد فتحي يونس، أستاذ الإعلام، أن «المقارنة خاطئة من أساسها لأنها تغفل أن عبد الحليم غنى في زمن مختلف تمامًا، مليء بالقيم القومية والتعبير الفني العميق، بينما غنى عمرو دياب للهويات التجارية والاستهلاك الإعلامي». ويشدد يونس على أن تصريحات عيسى جاءت دون معايير واضحة ونزيهة لتقييم الفن، متجاهلة الفروق الجوهرية بين السياقين الفني والتاريخي لكل من الفنانين. هذا الجدل لا يقتصر على مقارنة فنانين فحسب، بل يمتد ليشمل نقاشًا أوسع حول معايير تقييم الفن، ودور الفنان في المجتمع، وتأثير العولمة على الهوية الثقافية.
تأتي هذه الضجة بالتزامن مع إعلان إبراهيم عيسى عن روايته الجديدة «عمرو.. حيث هناك وحده»، التي تتناول حياة الفنان عمرو دياب. هذا التزامن زاد من حدة الانتقادات الموجهة لعيسى، حيث اعتبر كثير من النقاد والجمهور أن التركيز على تمجيد شخصية حية مثل عمرو دياب، وقبل اكتمال تجربته الفنية والحياتية، أمر «مبكر وغير موضوعي». وأكدوا أن التاريخ الفني العربي يمتلك العديد من الشخصيات الملهمة التي تستحق الإبداع الأدبي والتحليل النقدي العميق قبل التركيز على فنان لا تزال مسيرته مستمرة. هذا الجدل يعكس أهمية الحفاظ على التراث الفني وتقدير رموزه، مع الاعتراف بإنجازات الأجيال الجديدة، ولكن دون المساس بقيمة الرواد الذين شكلوا وجدان الأمة.


