تتزايد المؤشرات على تحرك سياسي ودبلوماسي معقد بين الولايات المتحدة وإيران، في مشهد يتقاطع فيه الحديث عن مفاوضات محتملة بشأن الملف النووي مع استعراضات القوة العسكرية. هذه الديناميكية المتوترة تعكس عقودًا من العلاقات المعقدة، وتضع المنطقة والعالم أمام مفترق طرق حرج، حيث تتأرجح الاحتمالات بين التوصل إلى تفاهمات دبلوماسية أو تصعيد قد تكون عواقبه وخيمة.
خلفية تاريخية: من الاتفاق النووي إلى التصعيد
لفهم السياق الحالي، لا بد من العودة إلى عام 2015، عندما تم التوصل إلى الاتفاق النووي الإيراني (الخطة الشاملة المشتركة للعمل – JCPOA) بين إيران ومجموعة 5+1 (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا والاتحاد الأوروبي). كان هذا الاتفاق يهدف إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات الدولية. إلا أن هذا التوافق تعرض لانتكاسة كبرى في عام 2018، عندما أعلن الرئيس الأمريكي آنذاك، دونالد ترمب، انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق وإعادة فرض عقوبات اقتصادية قاسية على طهران، مبررًا ذلك بأن الاتفاق لم يكن كافيًا لكبح جماح طموحات إيران النووية أو سلوكها الإقليمي. ردت إيران بتقليص تدريجي لالتزاماتها بموجب الاتفاق، مما أدى إلى تصاعد التوترات ووضع الملف النووي على رأس أولويات الأجندة الدولية مرة أخرى.
ترمب: إيران تتواصل معنا.. انفتاح مشروط
في خضم هذا التوتر، أعلن الرئيس دونالد ترمب أن طهران تجري اتصالات مع واشنطن، قائلاً في تصريحات للصحفيين: «إيران تتحدث معنا، وسنرى ما إذا كان بإمكاننا فعل شيء، وإلا فسنرى ما سيحدث». هذه التصريحات، التي تشير إلى انفتاح مشروط على المسار التفاوضي، تأتي في وقت حساس للغاية، حيث تسعى الإدارة الأمريكية إلى ممارسة أقصى درجات الضغط على إيران لدفعها نحو طاولة المفاوضات بشروط جديدة. وأضاف ترمب: «سنرى ما يمكن أن نفعل»، مما يعكس رغبة في استكشاف الخيارات الدبلوماسية، لكن مع الاحتفاظ بجميع الأوراق، بما في ذلك ورقة الضغط العسكري.
استعراض قوة أمريكي: رسائل ردع واضحة
بالتوازي مع التصريحات الدبلوماسية، كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن تحركات عسكرية أمريكية واسعة النطاق في المنطقة، مشيراً إلى أن «أسطولاً كبيراً يتجه إلى المنطقة، أكبر مما كان لدينا في فنزويلا». وأوضح أن هذا الأسطول يضم حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» التي تحمل أكثر من 80 طائرة مقاتلة، إلى جانب «مجموعة ضاربة» مرافقة تشمل ثلاث مدمرات مجهزة بصواريخ «توماهوك» وتتمتع بقدرات متقدمة مضادة للصواريخ. هذه التحركات العسكرية تُفسر على أنها رسالة ردع واضحة لإيران، تهدف إلى تثبيت الاستقرار الإقليمي ومنع أي تصعيد محتمل، وفي الوقت ذاته، تعزيز موقف الولايات المتحدة التفاوضي من خلال إظهار القدرة على الرد بقوة في حال فشل الدبلوماسية.
«النووي» على الطاولة: تعقيدات وتحديات
تطرق ترمب إلى تجارب التفاوض السابقة مع إيران، قائلاً: «في المرة الأخيرة التي تفاوضوا فيها، اضطررنا إلى تفكيك برنامجهم النووي، ولم ينجح الأمر، ثم قمنا بتفكيكه بطريقة مختلفة، وسنرى ما سيحدث». هذه الإشارة تؤكد على تعقيدات الملف النووي الإيراني وعدم حسمه حتى الآن، وتشير إلى أن أي مفاوضات مستقبلية ستكون محفوفة بالتحديات، خاصة مع إصرار واشنطن على اتفاق أوسع يشمل برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني ونفوذها الإقليمي، وهي مطالب ترفضها طهران بشدة.
إشارات من طهران: ترتيبات هيكلية للمفاوضات
بالتزامن مع التصريحات الأمريكية، أعلن الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، أن بلاده تعمل على إنشاء إطار منظم للتفاوض مع الولايات المتحدة. وكتب لاريجاني عبر حسابه على منصة «إكس»: «على عكس الضجة الإعلامية المفتعلة، فإن الترتيبات الهيكلية الخاصة بالمفاوضات تمضي قدماً»، في تأكيد على وجود مسار سياسي قيد الإعداد من الجانب الإيراني. هذه التصريحات تعكس رغبة إيرانية في إيجاد مخرج للأزمة، لكنها تشير أيضًا إلى أن طهران تسعى لفرض شروطها الخاصة على أي عملية تفاوضية، بعيدًا عن الضغوط الخارجية.
الأمل بتجنب المواجهة وتأثيرها الإقليمي والدولي
كان الرئيس دونالد ترمب قد لوّح في وقت سابق بإمكانية التدخل العسكري دعماً للاحتجاجات المناهضة للسلطات الإيرانية التي اندلعت أواخر ديسمبر، إلا أنه عاد وأعرب لاحقاً عن أمله في تجنب الخيار العسكري، محذراً في الوقت ذاته من أن «الوقت ينفد» للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني. إن أي تصعيد عسكري في منطقة الخليج العربي سيكون له تداعيات كارثية على أسواق النفط العالمية، وعلى استقرار المنطقة بأسرها، بما في ذلك دول الجوار مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، التي تراقب التطورات بقلق بالغ. كما أن الفشل في احتواء البرنامج النووي الإيراني قد يفتح الباب أمام سباق تسلح نووي إقليمي، مما يهدد نظام عدم الانتشار النووي العالمي.
مشهد مفتوح على الاحتمالات
بين الحديث عن قنوات تواصل مفتوحة، والتحذير من ضيق الوقت، والتحركات العسكرية الكبيرة في المنطقة، يبقى المشهد مفتوحاً على عدة سيناريوهات. فالدبلوماسية، وإن كانت محفوفة بالمخاطر، تظل الخيار المفضل لتجنب المواجهة. ومع ذلك، فإن التحديات كبيرة، وتتطلب مرونة وتنازلات من الطرفين. المستقبل القريب سيحدد ما إذا كانت واشنطن وطهران ستتمكنان من إيجاد أرضية مشتركة للعودة إلى طاولة المفاوضات بشكل فعال، أم أن التوتر سيعود إلى نقطة الصفر، مما يهدد بتصعيد غير محسوب في منطقة حيوية للعالم.


