شهدت مدينتا الحسكة والقامشلي، شمال شرقي سورية، يوم الأحد، فرض حظر للتجول من قبل قوى الأمن الداخلي الكردية (الأسايش)، وذلك بالتزامن مع بدء تطبيق اتفاق شامل ومرتقب بين الحكومة السورية وقوات سورية الديمقراطية (قسد). يهدف هذا الاتفاق إلى دمج المؤسسات المدنية والعسكرية للإدارة الذاتية ضمن الهيكل التنظيمي للدولة السورية، في خطوة تعد محورية نحو استعادة سيادة الدولة الكاملة على أراضيها.
ووفقاً للبيان الصادر عن القوات الكردية، بدأ حظر التجول في مدينة الحسكة يوم الاثنين، من الساعة السادسة صباحاً وحتى السادسة مساءً بالتوقيت المحلي، على أن يُطبق الإجراء ذاته في مدينة القامشلي يوم الثلاثاء. وقد بررت القوات الكردية هذه الإجراءات بأنها ضرورية “للحفاظ على الأمن والاستقرار وسلامة الأهالي” خلال مرحلة حساسة من التحول الإداري والأمني.
خلفية تاريخية وسياق الصراع السوري
لفهم أهمية هذا الاتفاق، لا بد من استعراض السياق التاريخي الذي أدى إلى نشأة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سورية. فمع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، وانسحاب قوات الحكومة السورية تدريجياً من بعض المناطق الشمالية الشرقية للتركيز على جبهات أخرى، بدأت القوى الكردية في المنطقة بتشكيل إدارات محلية. ومع تصاعد خطر تنظيم داعش الإرهابي، برزت قوات سورية الديمقراطية (قسد) كقوة رئيسية في محاربته بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، مما مكنها من السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الغنية بالموارد، بما في ذلك حقول النفط ومناطق زراعية حيوية. لطالما أكدت الحكومة السورية على حقها في استعادة سيادتها على كامل الأراضي السورية، وشكلت هذه المناطق تحدياً كبيراً في مسار الحل السياسي الشامل.
اتفاق شامل بعد توترات واشتباكات
جاء هذا الاتفاق الشامل عقب أسابيع من التوتر والاشتباكات المتقطعة في شمال وشرق سورية، والتي شهدت خلالها القوات الحكومية تقدماً في بسط سيطرتها على مناطق جديدة. وقد نجحت دمشق و«قسد» في التوصل إلى هذا التفاهم يوم الجمعة، والذي يشمل وقفاً لإطلاق النار والبدء بعملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والمؤسسات الإدارية بين الجانبين. أكد قائد «قسد» مظلوم عبدي أن تنفيذ الاتفاق سيبدأ ميدانياً اعتباراً من اليوم (الاثنين)، مع تراجع قوات الطرفين عن خطوط التماس في شمال شرقي البلاد ومدينة عين العرب (كوباني)، مقابل دخول “قوة أمنية محدودة” تابعة للحكومة إلى مركزي الحسكة والقامشلي.
تفاصيل الدمج العسكري والإداري
ينص الاتفاق على انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، ودخول قوات أمن تابعة لوزارة الداخلية السورية إلى مركزي مدينتي الحسكة والقامشلي. الأهم من ذلك، يتضمن الاتفاق دمجاً تدريجياً للقوى العسكرية الكردية ضمن تشكيلات الجيش السوري، عبر إنشاء ثلاثة ألوية عسكرية جديدة تخضع مباشرة لقيادة الجيش السوري دون أي استقلالية تنظيمية. وفي هذا السياق، أوضح وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى أن الدمج العسكري سيتم على أساس فردي، مع إلحاق عناصر «قسد» بالألوية الجديدة، مؤكداً أن العملية تتم وفق هيكلية موحدة للجيش السوري لضمان الانسجام والفعالية.
كما يتضمن الاتفاق بنوداً حيوية تتعلق بالسيادة الاقتصادية والإدارية، حيث يقضي بتسليم حقول النفط الرئيسية في رميلان والسويدية، ومطار القامشلي الاستراتيجي، وجميع المعابر الحدودية خلال مدة لا تتجاوز عشرة أيام. هذا التسليم يعزز سيطرة الدولة على مواردها الحيوية ونقاطها الحدودية. إضافة إلى ذلك، سيباشر مدير الأمن في محافظة الحسكة مهامه اعتباراً من الأسبوع القادم، في إشارة واضحة إلى عودة المؤسسات الأمنية الرسمية للعمل بكامل طاقتها. وقد زار قائد الأمن الداخلي في الحسكة، مروان العلي، مقر قوات «الأسايش» في مدينة القامشلي، في إطار التنسيق الأمني للمرحلة القادمة، مما يؤكد على التعاون العملي بين الطرفين.
ترتيبات أمنية وضمانات للمجتمع المدني
في محافظة حلب، أعلن قائد الأمن الداخلي العقيد محمد عبدالغني أنه التقى قوات الأمن الداخلي الكردية في مدينة عين العرب (كوباني)، لبحث ترتيبات دخول قوات وزارة الداخلية، مشيراً إلى أن التنفيذ مرتبط ببعض الجوانب الفنية، مع تأكيده إيجابية رد الجانب الكردي. هذه اللقاءات التنسيقية تعكس جدية الطرفين في تطبيق الاتفاق بسلاسة.
ولم يقتصر الاتفاق على الجوانب العسكرية والأمنية والاقتصادية، بل شمل أيضاً دمج مؤسسات الإدارة الذاتية المدنية ضمن مؤسسات الدولة السورية، وتثبيت الموظفين المدنيين، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم. هذه البنود تهدف إلى طمأنة السكان المحليين وضمان حقوقهم ضمن إطار الدولة الموحدة، في مسار يهدف إلى توحيد الأراضي السورية وتعزيز الاستقرار وإنفاذ القانون على الجميع.
تأثيرات الاتفاق: محلياً، إقليمياً، ودولياً
يحمل هذا الاتفاق تداعيات كبيرة على مستويات متعددة. محلياً، يمكن أن يؤدي إلى فترة من الاستقرار النسبي بعد سنوات من الصراع والتوتر، ويعيد توحيد الإدارة والخدمات للمواطنين. ومع ذلك، قد تبرز تحديات تتعلق بدمج الهياكل المختلفة وضمان حقوق جميع المكونات. إقليمياً، قد يغير الاتفاق موازين القوى في شمال شرق سورية، ويقلل من المخاوف التركية بشأن وجود كيان كردي شبه مستقل على حدودها، مما قد يؤثر على ديناميكيات المنطقة بأكملها. كما يثير تساؤلات حول مستقبل الوجود الأمريكي في المنطقة ودوره في دعم «قسد». دولياً، يمثل هذا الاتفاق خطوة مهمة نحو تعزيز سيطرة الحكومة السورية على أراضيها، وقد يؤثر على مسار الحل السياسي الشامل للأزمة السورية، ويعكس تحولات في مواقف القوى الكبرى تجاه مستقبل سورية.
رسائل طمأنة وتأكيد على سيادة القانون
في سياق متصل، وجه قائد الأمن الداخلي في حلب، محمد عبدالغني، رسائل طمأنة مباشرة للأكراد السوريين، مشدداً على أن سورية في مرحلتها الجديدة “ليست دولة انتقام ولا استعراض قوة”، بل تسعى إلى تعزيز الاستقرار وبناء الثقة بين جميع مكونات المجتمع. هذه التصريحات تهدف إلى بناء جسور الثقة وتخفيف المخاوف المحتملة لدى السكان المحليين، مؤكداً أن الدولة السورية تعمل على ترسيخ نموذج يقوم على سيادة القانون والانضباط المؤسسي لضمان مستقبل مستقر وموحد لسورية.


