أعلن المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف أن بلاده تعرض خدماتها لنقل فائض اليورانيوم المخصب من إيران، في خطوة دبلوماسية تهدف إلى تخفيف حدة التوترات المتصاعدة حول الملف النووي الإيراني. ويُعد هذا المقترح خياراً محتملاً يمكن أن يُسهم في نزع فتيل الأزمة بين الأطراف الدولية المعنية.
وأوضح بيسكوف في تصريحات صحفية أن هذا العرض ليس جديداً، بل هو مدرج على جدول الأعمال منذ فترة طويلة، وتعتبره موسكو حلاً عملياً لإزالة بعض «العوامل المزعجة» التي تثير قلق عدد من الدول في إطار جهود خفض التصعيد. وتؤكد روسيا التزامها بدور الوسيط والمساهم الفعال في إيجاد حلول فنية وسياسية للأزمة النووية الإيرانية، مواصلةً اتصالاتها مع جميع الأطراف المعنية.
تأتي هذه المبادرة الروسية في سياق تاريخي معقد للبرنامج النووي الإيراني، الذي بدأ في سبعينيات القرن الماضي بمساعدة أمريكية قبل الثورة الإيرانية، وتطور لاحقاً ليثير مخاوف دولية عميقة بشأن طبيعته وأهدافه. وقد بلغت هذه المخاوف ذروتها في العقد الأول من الألفية الثالثة، مما دفع القوى الكبرى (مجموعة 5+1) إلى الانخراط في مفاوضات مكثفة مع طهران.
توجت هذه المفاوضات بالتوصل إلى الاتفاق النووي الإيراني، المعروف رسمياً باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، في عام 2015. نص الاتفاق على قيود صارمة على برنامج إيران النووي، بما في ذلك مستويات تخصيب اليورانيوم وكمياته، مقابل رفع العقوبات الاقتصادية الدولية. وكان الهدف الأساسي هو ضمان الطبيعة السلمية للبرنامج الإيراني ومنع طهران من تطوير أسلحة نووية، مع السماح لها بالاستفادة من الطاقة النووية للأغراض المدنية. وقد لعبت روسيا دوراً محورياً في صياغة هذا الاتفاق وتنفيذه، بما في ذلك نقل اليورانيوم المخصب الإيراني إلى أراضيها في عامي 2015-2016 كجزء من التزامات إيران.
إلا أن المشهد تغير بشكل جذري في عام 2018 عندما انسحبت الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب من الاتفاق النووي وأعادت فرض عقوبات اقتصادية قاسية على إيران، متبعةً سياسة «الضغط الأقصى». رداً على ذلك، بدأت إيران تدريجياً في التراجع عن بعض التزاماتها النووية، بما في ذلك زيادة مستويات تخصيب اليورانيوم وكمياته، مما أعاد إشعال المخاوف الدولية.
وتشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية حالياً إلى أن إيران تمتلك كميات كبيرة من اليورانيوم المخصب، بما في ذلك مستويات تصل إلى 60% وأعلى في بعض الحالات، وهو ما يثير قلقاً دولياً بالغاً لأنه يقترب من المستوى اللازم لصنع سلاح نووي. ورغم إصرار طهران على أن برنامجها سلمي بحت، فإن هذا التطور يزيد من حدة التوترات الإقليمية والدولية، ويجدد المخاوف الإسرائيلية والغربية من تقدم إيران في هذا المجال.
إن العرض الروسي الحالي لنقل فائض اليورانيوم المخصب يحمل أهمية كبيرة على عدة مستويات. على الصعيد الإقليمي، يمكن أن يساهم في تهدئة المخاوف الأمنية لدول الجوار، خاصة إسرائيل والمملكة العربية السعودية ودول الخليج، التي ترى في البرنامج النووي الإيراني تهديداً مباشراً لاستقرار المنطقة. فتقليل مخزون اليورانيوم عالي التخصيب يقلل من «وقت الاختراق» المحتمل لإيران نحو امتلاك سلاح نووي، مما يوفر مساحة للدبلوماسية.
أما على الصعيد الدولي، فيعزز هذا المقترح جهود منع الانتشار النووي، وهو مبدأ أساسي للأمن العالمي. كما أنه يعكس الدور الروسي المستمر كلاعب رئيسي في الدبلوماسية الدولية المتعلقة بالملف الإيراني، وكمحاولة لإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة وإيجاد حلول عملية في ظل الجمود الحالي. يمكن أن يمهد هذا العرض الطريق لاستئناف المفاوضات الأوسع بين إيران والقوى العالمية، والتي توقفت منذ فترة طويلة.
دبلوماسياً، يمثل هذا العرض فرصة لإعادة بناء الثقة المتبادلة، ولو بشكل جزئي، بين الأطراف المتنازعة. ففي ظل تقارير متضاربة عن إمكانية استئناف محادثات غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة، وفي ظل رفض بعض المسؤولين الإيرانيين الحديث عن نقل المواد النووية خارج البلاد، بينما يُشير آخرون إلى استعداد طهران لإظهار مرونة في حال رفع العقوبات وتقديم ضمانات، فإن المبادرة الروسية قد تكون نقطة انطلاق لكسر الجمود.
تظل روسيا، بصفتها إحدى الدول الرئيسية في الاتفاق النووي الإيراني، ملتزمة بإيجاد حل دبلوماسي. إن خبرتها في التعامل مع المواد النووية وتاريخها في تسهيل عمليات نقل اليورانيوم تجعلها شريكاً موثوقاً به في مثل هذه المبادرات. ومع ذلك، فإن نجاح هذا العرض سيعتمد بشكل كبير على الإرادة السياسية لجميع الأطراف المعنية، وقدرتها على تجاوز الخلافات العميقة والعمل نحو هدف مشترك يتمثل في نزع فتيل التوترات وضمان الأمن الإقليمي والدولي.


