spot_img

ذات صلة

نموذج اقتصادي جديد: القيم قبل الأرباح ومبادرة B57+ تعزز التكامل الإسلامي

في ظل تحولات جيوسياسية متسارعة كشفت عن هشاشة النظام الاقتصادي العالمي وعجزه عن تحقيق توزيع عادل للفرص، أكد رئيس الغرفة الإسلامية للتجارة والتنمية ورئيس اتحاد الغرف السعودية، عبدالله صالح كامل، على الحاجة الماسة لنموذج اقتصادي يعيد الاعتبار للقيم الإنسانية قبل الأرباح. جاء هذا التأكيد خلال مشاركته في «قمة إندونيسيا الاقتصادية 2026»، حيث شدد على أن الخطاب الاقتصادي الدولي الراهن لم يعد يبعث على الطمأنينة، وأن الأولوية المفرطة لمنطق القوة على حساب القيم الإنسانية قد أدت إلى اختلالات عميقة.

لقد شهد العالم في السنوات الأخيرة سلسلة من الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية، من جائحة كورونا وتأثيراتها على سلاسل الإمداد العالمية، إلى الصراعات الإقليمية التي أدت إلى ارتفاع معدلات التضخم وتذبذب أسعار الطاقة والغذاء. هذه الأحداث لم تكشف فقط عن نقاط ضعف الأنظمة الاقتصادية القائمة، بل أبرزت أيضاً التفاوتات الصارخة في توزيع الثروات والفرص، مما يستدعي إعادة تقييم شاملة للمبادئ التي تحكم الاقتصاد العالمي.

في هذا السياق، يبرز الاقتصاد الإسلامي كنموذج بديل يقدم رؤية متكاملة تستند إلى العدالة والإنصاف والتكافل الاجتماعي. فمبادئ مثل تحريم الربا، وتشجيع التجارة الحلال، والزكاة كأداة لإعادة توزيع الثروة، والاستثمار الأخلاقي، كلها تسهم في بناء نظام اقتصادي أكثر استقراراً وشمولية. تاريخياً، ازدهرت الحضارة الإسلامية بفضل شبكات تجارية واسعة النطاق كانت ترتكز على هذه القيم، مما أدى إلى رخاء اقتصادي وتطور حضاري.

وأشار كامل إلى أن دول العالم الإسلامي، بما تملكه من إرث حضاري غني وموارد بشرية وطبيعية هائلة، مؤهلة لقيادة هذا التحول وصياغة مستقبل اقتصادي أكثر استقراراً وعدلاً. وفي هذا الصدد، أشاد بالدور المحوري الذي يلعبه القطاع الخاص السعودي، مدعوماً بالإصلاحات التشريعية والتحول الرقمي الطموح الذي تقوده رؤية المملكة 2030، والتي تهدف إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز مكانة المملكة كمركز لوجستي واقتصادي عالمي.

عبدالله صالح كامل عقب الإعلان عن تأسيس الفرع الإقليمي لمبادرة B57  في منطقة آسيا والمحيط الهادئ،

وعلى هامش القمة، شهدت العاصمة الإندونيسية جاكرتا انطلاقة استراتيجية جديدة تمثلت في تأسيس الفرع الإقليمي لمبادرة +B57 لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ. تهدف هذه المنصة الطموحة إلى ربط أكثر من ملياري نسمة في العالم الإسلامي بشبكة استثمارية وتجارية موحدة، متجاوزة بذلك العقبات التي طالما أعاقت التجارة البينية بين الدول الإسلامية، والتي لا تزال تراوح مكانها عند نسبة متدنية تبلغ 22%.

إن تعزيز التجارة البينية بين الدول الإسلامية يمثل ركيزة أساسية لتحقيق التكامل الاقتصادي المنشود. فزيادة هذه النسبة ستسهم بشكل مباشر في بناء اقتصادات أكثر مرونة وقدرة على الصمود أمام الصدمات الخارجية، كما ستفتح آفاقاً جديدة للاستثمار المشترك، وتخلق فرص عمل، وتدعم الصناعات المحلية، مما يعزز الاكتفاء الذاتي ويقلل الاعتماد على الأسواق التقليدية. لطالما كانت هناك دعوات لتعزيز هذا النوع من التكامل، ومبادرة +B57 تأتي لتجسد هذه الطموحات على أرض الواقع.

وأشار كامل إلى أن الرمز (+) في المبادرة يعكس انفتاحها العالمي ورغبتها في بناء «عولمة أخلاقية» لا تقتصر على الدول الإسلامية فحسب، بل تشمل مراكز التجارة الدولية والشركات التي تتقاطع أعمالها مع مبادئ الاقتصاد الإسلامي، بعيداً عن الاستقطاب الجيوسياسي. هذا التوجه يهدف إلى خلق نظام تجاري واستثماري عالمي أكثر عدلاً وشفافية، يراعي الأبعاد الاجتماعية والبيئية إلى جانب الأبعاد الاقتصادية.

إن مفهوم «العولمة الأخلاقية» يكتسب أهمية متزايدة في عالم اليوم، حيث تتزايد المطالبات بمسؤولية الشركات والمؤسسات تجاه المجتمع والبيئة. ومن خلال مبادرة +B57، يمكن للعالم الإسلامي أن يقدم نموذجاً رائداً في هذا المجال، يشجع على الاستثمار المسؤول، ويحارب الممارسات غير الأخلاقية، ويدعم التنمية المستدامة. هذا التوجه لا يعود بالنفع على الدول الإسلامية وحدها، بل يمكن أن يكون له تأثير إيجابي على الاقتصاد العالمي بأسره، من خلال تعزيز الثقة والتعاون الدوليين.

في الختام، تؤكد تصريحات عبدالله صالح كامل وإطلاق مبادرة +B57 على أن العالم يقف على مفترق طرق، وأن هناك حاجة ملحة لإعادة التفكير في أسس النظام الاقتصادي العالمي. إن السعي نحو نموذج يضع القيم الإنسانية في صدارة الأولويات، ويعزز التكامل الاقتصادي بين الدول الإسلامية، ويفتح آفاقاً لعولمة أخلاقية، يمثل خطوة حاسمة نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً للجميع.

spot_imgspot_img