spot_img

ذات صلة

العلاقات الخليجية-الأوروبية: شراكة اقتصادية نحو سلاسل قيمة مستدامة

تعزيز الشراكة: العلاقات الاقتصادية الخليجية-الأوروبية نحو سلاسل قيمة مشتركة ومستقبل مستدام

أكَّد الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، جاسم البديوي، أن العلاقات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي تشهد تحولاً استراتيجياً، متجهةً من مجرد التبادل التجاري إلى بناء سلاسل قيمة مشتركة طويلة الأمد. هذا التوجه يعكس رؤية أعمق للشراكة، تتجاوز المعاملات التقليدية نحو تكامل اقتصادي يخدم المصالح المتبادلة ويعزز الاستقرار العالمي.

جاء هذا التأكيد خلال جلسة حوارية عقدها البديوي مع المبعوث الخاص للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، لويجي دي مايو، تحت عنوان «سباق الاستثمار والتجارة القادم»، حيث تم تسليط الضوء على الأبعاد الجديدة لهذه الشراكة الحيوية.

جذور الشراكة التاريخية وأهميتها الاستراتيجية

تُعد العلاقات بين مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي من الشراكات الراسخة التي تستند إلى تاريخ طويل من التعاون المؤسسي. انطلق هذا التعاون بتوقيع اتفاقية الشراكة عام 1988، والتي أرسَت إطاراً متيناً للحوار السياسي والاقتصادي. هذه الاتفاقية لم تكن مجرد وثيقة، بل كانت حجر الزاوية الذي فتح آفاقاً واسعة للتعاون في مجالات حيوية مثل التجارة والاستثمار والطاقة والتنمية والتعليم. إن كلا الكيانين، مجلس التعاون الذي تأسس عام 1981 والاتحاد الأوروبي الذي تطور من الجماعة الاقتصادية الأوروبية، يمثلان ثقلين اقتصاديين وجيوسياسيين مهمين على الساحة الدولية، مما يجعل تعاونهما ذا أبعاد استراتيجية تتجاوز المصالح الثنائية.

نقلة نوعية نحو التكامل الاقتصادي

شهدت هذه الشراكة نقلة نوعية خلال السنوات الأخيرة، لا سيما مع اعتماد برنامج العمل المشترك للفترة (2022–2027)، وعقد القمة الخليجية-الأوروبية في بروكسل. هذه المبادرات والاجتماعات الوزارية اللاحقة هدفت إلى متابعة تنفيذ المخرجات، وتعزيز التعاون التجاري والاستثماري، وتحسين النفاذ إلى الأسواق، ودعم سلاسل الإمداد والتنمية المستدامة. إن التحول نحو سلاسل القيمة المشتركة يعني بناء منظومات إنتاج وتوريد متكاملة، حيث تساهم كلتا المنطقتين في مراحل مختلفة من التصنيع والخدمات، مما يعزز المرونة الاقتصادية ويقلل من المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مصدر واحد.

بلغ حجم التبادل التجاري السلعي بين الجانبين نحو 197 مليار دولار، مما يجعل الاتحاد الأوروبي أحد أهم الشركاء التجاريين لدول مجلس التعاون. إلى جانب ذلك، تشهد الاستثمارات الأوروبية المباشرة في دول المجلس تنامياً ملحوظاً، وهو ما يعكس عمق الترابط الاقتصادي والثقة المتزايدة في بيئة الأعمال الخليجية، التي أصبحت جاذبة للاستثمارات الأجنبية بفضل الإصلاحات الاقتصادية والتشريعية.

آفاق التعاون المستقبلي: نحو اقتصاد مستدام ومبتكر

في سياق حديثه عن آفاق التعاون المستقبلي، شدد البديوي على أن التحول الاقتصادي الطموح الذي تشهده دول مجلس التعاون، في ضوء رؤاها الوطنية (مثل رؤية السعودية 2030 ورؤية الإمارات 2071)، يفتح مجالات واسعة للشراكة مع الاتحاد الأوروبي. هذه المجالات تشمل قطاعات حيوية ومستقبلية مثل الطاقة النظيفة، والهيدروجين الأخضر، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الذكية، والأمن السيبراني. إن التعاون في هذه القطاعات لا يقتصر على تبادل السلع والخدمات، بل يمتد ليشمل البحث والتطوير المشترك، ونقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعات، مما يسهم في بناء قدرات محلية وتعزيز الابتكار في كلا الجانبين.

إن بناء سلاسل قيمة مشتركة في هذه القطاعات الناشئة يمكن أن يعزز أمن الطاقة لأوروبا من خلال مصادر متجددة من الخليج، ويدعم جهود دول الخليج في تنويع اقتصاداتها بعيداً عن النفط. كما أن التعاون في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يمكن أن يدفع عجلة الابتكار ويخلق فرص عمل جديدة، بينما يضمن التعاون في الأمن السيبراني حماية البنى التحتية الحيوية المشتركة.

تأثير الشراكة على الاستقرار والنمو العالمي

أكَّد الأمين العام أن نجاح الشراكة الخليجية-الأوروبية لا يُقاس فقط بحجم التجارة أو تدفقات الاستثمار، بل بقدرتها على التحول إلى نموذج متكامل للتعاون القائم على الثقة وتقاسم المخاطر وبناء مستقبل اقتصادي مشترك. هذا النموذج يسهم بشكل فعال في تعزيز الاستقرار والنمو في الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والجيوسياسية الراهنة. إن تعميق هذه الشراكة يرسخ مكانة كلا الكيانين كفاعلين رئيسيين في صياغة مستقبل اقتصادي عالمي أكثر استدامة ومرونة.

spot_imgspot_img