spot_img

ذات صلة

الأمم المتحدة: حل الدولتين أساس السلام الدائم بالشرق الأوسط

جدد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، تأكيده الحازم على أن حل الدولتين يمثل المسار الوحيد القابل للتطبيق لتحقيق سلام عادل ودائم في المنطقة، مشدداً على أن الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها الحق في تقرير المصير، هي حقيقة جوهرية لا بد من إعمالها واحترامها.

جاء هذا التأكيد خلال الجلسة الافتتاحية للجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، والتي شهدت إعادة انتخاب كولي سيك، الممثل الدائم للسنغال لدى الأمم المتحدة، رئيساً للجنة. وأشاد غوتيريش بالدور الثابت الذي لعبته اللجنة على مدى خمسين عاماً في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين، مشيراً إلى أن إعلان نيويورك والتحالف العالمي من أجل حل الدولتين يوفران مسارات ومنصات واضحة لتحقيق التقدم، لكنه استدرك بأن الأهم هو إحداث تغيير دائم وملموس على أرض الواقع.

السياق التاريخي وأهمية حل الدولتين

يُعد الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي أحد أطول النزاعات الجيوسياسية في التاريخ الحديث، وقد سعت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي منذ عقود إلى إيجاد حل شامل له. يرتكز مفهوم حل الدولتين على إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة تعيش جنباً إلى جنب مع دولة إسرائيل، ضمن حدود آمنة ومعترف بها دولياً. تعود جذور هذا المفهوم إلى قرارات الأمم المتحدة الأولى، مثل قرار التقسيم رقم 181 عام 1947، وتأكدت أهميته عبر قرارات مجلس الأمن اللاحقة مثل 242 و 338، التي دعت إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام 1967 مقابل السلام. وقد مثلت اتفاقيات أوسلو في التسعينيات محاولة بارزة لتطبيق هذا الحل، ممهدة لتأسيس السلطة الفلسطينية.

تأسست اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1975، بهدف تعزيز ودعم تحقيق حقوق الشعب الفلسطيني، بما في ذلك حقهم في تقرير المصير والاستقلال الوطني. إن احتفال اللجنة بمرور خمسين عاماً على تأسيسها يؤكد على استمرارية هذه الحقوق وضرورة إعمالها.

الوضع الراهن وتحديات السلام

وصف الأمين العام الوضع الراهن بأنه “هش للغاية”، مسلطاً الضوء على المعاناة الإنسانية الشديدة التي يواجهها الفلسطينيون في قطاع غزة، حيث قُتل المئات من الفلسطينيين منذ اتفاق أكتوبر الماضي. وحث غوتيريش جميع الأطراف على التنفيذ الكامل للاتفاق والامتثال للقانون الدولي، داعياً إلى تيسير مرور المساعدات الإنسانية دون عوائق، لا سيما عبر معبر رفح، ومؤكداً أن استمرار تعليق عمل المنظمات الدولية غير الحكومية يقوّض التقدم ويزيد من معاناة المدنيين.

وشدد غوتيريش على أن أي حل مستدام يجب أن يضمن إدارة غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية بواسطة حكومة فلسطينية موحدة وشرعية ومعترف بها دولياً، وأن غزة جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية المستقبلية. وفي ما يخص الضفة الغربية، حذر الأمين العام من تسارع وتيرة التوسع الاستيطاني وعمليات الهدم، كاشفاً عن تشريد عشرات الآلاف من الفلسطينيين خلال الفترة الماضية، والتي شهدت مستويات قياسية من عنف المستوطنين. وأعرب عن قلقه البالغ إزاء المناقصة الإسرائيلية لبناء 3,401 وحدة سكنية في منطقة «E1»، مؤكداً أن تنفيذها سيفصل شمال الضفة عن جنوبها ويقوّض تواصل الأراضي الفلسطينية، مستنداً إلى رأي محكمة العدل الدولية الذي اعتبر وجود إسرائيل في الأراضي المحتلة غير قانوني.

التأثيرات المتوقعة لغياب الحل

إن الفشل في تحقيق حل الدولتين لا يؤدي فقط إلى استمرار دورات العنف وعدم الاستقرار والمعاناة الإنسانية العميقة للفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء، بل يمتد تأثيره ليشمل المنطقة والعالم. محلياً، يعني ذلك استمرار الاحتلال، وفقدان الأراضي، وإنكار حق تقرير المصير للفلسطينيين، بينما يواجه الإسرائيليون تهديدات أمنية مستمرة وعزلة دولية متزايدة. إقليمياً، يظل الصراع عاملاً رئيسياً لزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، مما يغذي التطرف ويعيق التعاون الإقليمي. إن حل عادل يمكن أن يفتح آفاقاً اقتصادية وسياسية هائلة للمنطقة بأسرها، في حين أن الجمود المستمر يهدد بتصعيد أوسع.

دولياً، ترتبط مصداقية القانون الدولي والمؤسسات الدولية، وخاصة الأمم المتحدة، ارتباطاً وثيقاً بحل هذا الصراع. إن التزام المجتمع الدولي بحقوق الإنسان وتقرير المصير يوضع على المحك هنا. سيكون السلام الدائم انتصاراً كبيراً للتعددية والاستقرار العالمي، بينما يقوض الفشل المستمر هذه المبادئ الأساسية. إن دعوة غوتيريش إلى “تغيير دائم على أرض الواقع” تؤكد على الحاجة الماسة إلى إجراءات ملموسة تتجاوز التصريحات لإنهاء هذا الصراع الطويل الأمد.

spot_imgspot_img