تستعد المملكة العربية السعودية لاستضافة النسخة الثانية المرتقبة من مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة، والذي سيُعقد في الفترة من 8 إلى 9 فبراير الجاري في محافظة العُلا التاريخية. يأتي هذا المؤتمر الهام ثمرة لشراكة استراتيجية قوية بين وزارة المالية السعودية وصندوق النقد الدولي، ويشهد مشاركة رفيعة المستوى تضم وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية وصناع السياسات، بالإضافة إلى قيادات المؤسسات المالية الدولية وخبراء الاقتصاد البارزين من شتى أنحاء العالم.
يُعقد المؤتمر في توقيت بالغ الأهمية، حيث يشهد الاقتصاد العالمي تحولات متسارعة وتحديات غير مسبوقة، تتطلب من اقتصادات الأسواق الناشئة تعزيز مرونتها وقدرتها على التكيف. الهدف الأسمى هو اغتنام الفرص الجديدة لضمان تحقيق نمو اقتصادي مستدام وشامل، وتحسين مستويات المعيشة لملايين البشر، مما ينعكس إيجاباً على الاستقرار الاقتصادي العالمي ككل. هذه المنصة تتيح فرصة فريدة لتبادل الرؤى والخبرات حول كيفية التعامل مع هذه المتغيرات المعقدة.
السياق العام وأهمية الأسواق الناشئة
تُمثل اقتصادات الأسواق الناشئة اليوم محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي العالمي، حيث تستحوذ على حصة متزايدة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي والتجارة الدولية. ومع ذلك، تواجه هذه الاقتصادات مجموعة من التحديات الفريدة، بما في ذلك تقلبات أسعار السلع، وتدفقات رأس المال المتقلبة، وتحديات الديون، وتأثيرات تغير المناخ، فضلاً عن الحاجة الملحة لتطوير البنية التحتية وتعزيز الابتكار. إن استقرار هذه الاقتصادات ومرونتها أمر حيوي للاستقرار المالي العالمي.
تأتي استضافة المملكة لهذا المؤتمر في إطار رؤيتها الطموحة 2030، التي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل، وتعزيز مكانتها كمركز اقتصادي إقليمي وعالمي. تُعد العُلا، بموقعها الاستراتيجي وتراثها الثقافي الغني، رمزاً للتحول الذي تشهده المملكة، حيث تتحول من مجرد وجهة تاريخية إلى مركز للفعاليات العالمية التي تجمع قادة الفكر وصناع القرار لمناقشة قضايا عالمية محورية. هذه الاستضافة تؤكد التزام المملكة المتواصل بدعم الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز الاستقرار المالي والاقتصادي عالمياً.
أهداف المؤتمر وتأثيره المتوقع
أكد معالي وزير المالية السعودي، الأستاذ محمد بن عبدالله الجدعان، أن المؤتمر يمثل امتداداً لدور المملكة الريادي في تعزيز الحوار الاقتصادي الدولي والتعاون بين الدول. وأشار إلى أن اقتصادات الأسواق الناشئة تشكل عنصراً محورياً في منظومة الاقتصاد العالمي، ولها تأثير مباشر في نموه واستقراره. وأضاف معاليه أن “مؤتمر العُلا يوفر منصة فريدة لتبادل وجهات النظر حول التطورات الاقتصادية العالمية، ومناقشة السياسات والإصلاحات التي من شأنها دعم النمو الشامل وتعزيز المرونة الاقتصادية، في ظل تعاون دولي أوسع يسهم في مواجهة التحديات المشتركة”.
من جانبها، أوضحت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، السيدة كريستالينا جورجيفا، أن المؤتمر يمثل منصة حيوية لاقتصادات الأسواق الناشئة لمناقشة سبل التعامل مع المخاطر واغتنام الفرص المتاحة. وأشارت إلى أن التحولات الواسعة في الاقتصاد العالمي، المدفوعة بالتقنية والتغيرات الديموغرافية والجيوسياسية، تفرض بيئة أكثر تعقيداً وعدم يقين، مما يستدعي تعزيز المرونة عبر سياسات اقتصادية كلية ومالية رشيدة. هذا التركيز على المرونة والسياسات السليمة هو جوهر النقاشات التي ستدور في العُلا.
سيعمل المشاركون في المؤتمر على تبادل الخبرات وأفضل الممارسات، وتنسيق السياسات الاقتصادية، ودعم مسارات الإصلاح الهيكلي. يهدف ذلك إلى تمكين هذه الدول من الاستفادة القصوى من التحولات الاقتصادية العالمية، وتحقيق نمو أكثر شمولية واستدامة. على الصعيد المحلي، يعزز المؤتمر مكانة المملكة كمركز عالمي للحوار الاقتصادي، ويجذب الانتباه إلى جهودها التنموية. إقليمياً، يسهم في تعزيز الاستقرار والتعاون الاقتصادي بين دول المنطقة. دولياً، يدعم الجهود المشتركة لمواجهة التحديات العالمية مثل التضخم، واضطرابات سلاسل الإمداد، والحاجة إلى التحول الرقمي والأخضر.
يهدف المؤتمر أيضاً إلى رفع مستوى الوعي الدولي بالتحديات التي تواجه اقتصادات الأسواق الناشئة، وإبراز التجارب الناجحة في بناء حلول مبتكرة تعزز التعاون الدولي، وتدعم جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتسهم في تحسين مستويات المعيشة وتحقيق الازدهار الاقتصادي العالمي. إن مخرجات هذا المؤتمر من المتوقع أن توفر إطاراً للعمل المشترك، وتوصيات عملية يمكن أن تسترشد بها الدول لتعزيز مساراتها التنموية في عالم متغير.


