spot_img

ذات صلة

الرياض وأنقرة: شراكة استراتيجية وتفاهم مستمر

تجسد الزيارات الرئاسية رفيعة المستوى بين المملكة العربية السعودية وجمهورية تركيا عمق العلاقات الثنائية الاستراتيجية بين البلدين، وتؤكد على التقدير المتبادل لدورهما القيادي على المستويين الإقليمي والدولي. هذه اللقاءات ليست مجرد بروتوكولات دبلوماسية، بل هي محطات أساسية لتعزيز التنسيق والتشاور في ملفات حيوية، مما يعكس مكانة الرياض وأنقرة كقوتين إقليميتين ودوليتين مؤثرتين في منطقة الشرق الأوسط وخارجها.

تستند العلاقات السعودية التركية إلى روابط تاريخية وثقافية ودينية عميقة تمتد لقرون. فكلا البلدين يمتلكان إرثًا حضاريًا غنيًا ومكانة محورية في العالم الإسلامي، مما يشكل أساسًا متينًا للتعاون المعاصر. ورغم التحديات الإقليمية والدولية المختلفة التي مرت بها المنطقة، حافظت الدولتان على قنوات تواصل مفتوحة، سعيًا لتحقيق مصالحهما المشتركة ودعم الاستقرار الإقليمي. هذه الخلفية التاريخية تمنح العلاقات الحالية بعدًا استراتيجيًا يتجاوز المصالح الآنية.

تكتسب الزيارات المتبادلة أهمية خاصة في ضوء ما تتمتع به السعودية وتركيا من ثقل سياسي واقتصادي كبير. فالمملكة، بصفتها أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط وعضوًا في مجموعة العشرين (G20)، وتركيا، كقوة اقتصادية صاعدة وعضو في نفس المجموعة، تملكان القدرة على تشكيل مسار التنمية والتعاون في المنطقة. تهدف هذه اللقاءات إلى تأكيد التنسيق والتشاور بما يعزز الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، وحل الأزمات وإنهاء الخلافات بالطرق السلمية والدبلوماسية من خلال الحوار البناء، وتيسير الظروف الملائمة لتحقيق الأمن والاستقرار إقليمياً ودولياً، مع التأكيد على عدم المساس بسيادة دول المنطقة ووحدة وسلامة أراضيها.

ولتعزيز هذا التعاون المؤسسي، تُوجت زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى تركيا في أبريل 2016، ولقائه بالرئيس التركي، بالإعلان عن إنشاء مجلس التنسيق السعودي التركي. يهدف هذا المجلس إلى تعزيز التعاون المشترك في المجالات السياسية والدبلوماسية، والاقتصاد، والصناعات العسكرية، والثقافة، والتعليم، وغيرها من القطاعات الحيوية. وقد تم توقيع بروتوكول تعديل محضر إنشاء المجلس في عام 2024، بهدف تطوير التعاون الثنائي والتنسيق المشترك في مختلف الملفات، مما يعكس التزامًا مستمرًا بتحديث وتوسيع آفاق الشراكة بين البلدين.

إن تأثير هذا التفاهم المستمر يمتد ليشمل أبعادًا إقليمية ودولية واسعة. فتعاون الرياض وأنقرة يمكن أن يسهم بشكل فعال في معالجة القضايا الملحة مثل مكافحة الإرهاب، وتعزيز التنمية الاقتصادية المستدامة، ودعم جهود السلام في مناطق النزاع. كما أن التنسيق بينهما في المحافل الدولية يعزز صوت المنطقة ويخدم مصالحها في مواجهة التحديات العالمية. هذا التعاون لا يقتصر على المصالح الثنائية، بل يمتد ليقدم نموذجًا للتعاون الإقليمي الفعال الذي يصب في مصلحة شعوب المنطقة والعالم أجمع.

spot_imgspot_img