في خطوة تعكس عمق الروابط التاريخية والأخوية بين المملكة العربية السعودية وجمهورية تركيا، اختتم فخامة الرئيس رجب طيب أردوغان زيارة رسمية إلى المملكة بتاريخ 3 فبراير 2026، توجت بصدور بيان مشترك يؤكد التزام البلدين بتعزيز شراكتهما الاستراتيجية في مختلف المجالات. هذه الزيارة تأتي في سياق مرحلة جديدة من التقارب والتعاون المثمر بين الرياض وأنقرة، بعد فترة شهدت تحديات، لتعيد التأكيد على أهمية التنسيق الثنائي في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية وتحقيق المصالح المشتركة.
تاريخياً، لطالما جمعت السعودية وتركيا علاقات حضارية وثقافية واقتصادية متجذرة، تعود إلى قرون مضت. ورغم التقلبات السياسية التي قد تشهدها العلاقات بين الدول، فإن الروابط الشعبية والمصالح الاستراتيجية ظلت تشكل أساساً متيناً. شهدت السنوات الأخيرة، وتحديداً منذ زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى تركيا في يونيو 2022، وزيارة الرئيس أردوغان للمملكة في يوليو 2023، دفعة قوية نحو إعادة بناء الثقة وتوسيع آفاق التعاون. هذه الزيارات المتبادلة لم تكن مجرد لقاءات بروتوكولية، بل كانت محطات مفصلية أسهمت في وضع خارطة طريق لشراكة أعمق وأكثر شمولاً، تستند إلى الاحترام المتبادل والرغبة الصادقة في تحقيق الازدهار لشعبي البلدين والمنطقة.
خلال الزيارة الأخيرة، التقى ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بالرئيس أردوغان في قصر اليمامة بالرياض، حيث تبادلا التحيات ونقلا تمنيات قيادتي البلدين بالصحة والتقدم. تركزت المباحثات الرسمية على استعراض العلاقات الثنائية وسبل تطويرها، مع إشادة الجانب التركي بالجهود السعودية في خدمة الحرمين الشريفين وتسهيل مناسك الحجاج والمعتمرين. هذه الإشادة تعكس البعد الروحي للعلاقات وتؤكد على التنسيق المستمر لضمان راحة وسلامة ضيوف الرحمن من تركيا والعالم الإسلامي.
تعزيز الروابط الاقتصادية والاستثمارية
في صميم البيان المشترك، برز التوافق على تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري كركيزة أساسية للشراكة. أشاد الجانبان بمتانة الروابط الاقتصادية الحالية، واتفقا على ضرورة استغلال الفرص الهائلة التي تتيحها “رؤية المملكة 2030″ و”رؤية قرن تركيا”. هاتان الرؤيتان الطموحتان تهدفان إلى تنويع الاقتصادات الوطنية، وتعزيز الاستدامة، وجذب الاستثمارات، مما يخلق تآزراً طبيعياً بين البلدين. من المتوقع أن تسهم هذه الشراكة في تحقيق منافع متبادلة، من خلال زيادة حجم التبادل التجاري غير النفطي، وتكثيف الزيارات بين مسؤولي القطاعين العام والخاص، وتفعيل دور “مجلس الأعمال السعودي التركي”. كما تم التأكيد على أهمية إنجاز مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين دول مجلس التعاون الخليجي وجمهورية تركيا، والتي ستفتح آفاقاً أوسع للتعاون الاقتصادي الإقليمي.
شملت المباحثات الاقتصادية أيضاً الإشادة بمستوى الاستثمارات المتبادلة، حيث تستثمر الشركات السعودية في تركيا في قطاعات حيوية مثل المالية، التأمين، الطاقة المتجددة، العقارات، التصنيع والخدمات. وفي المقابل، تلعب الشركات التركية دوراً محورياً في تنفيذ مشاريع البنية التحتية الضخمة ضمن “رؤية 2030” في المملكة، في مجالات الهندسة، البناء والتشييد، والتطوير العقاري. هذا التبادل الاستثماري يعكس الثقة المتبادلة في البيئة الاقتصادية للبلدين ويفتح الباب أمام المزيد من المشاريع المشتركة، خاصة بعد النتائج الإيجابية لـ “المنتدى الاستثماري السعودي – التركي” الذي عقد بالتزامن مع الزيارة، وشهد مشاركة واسعة من كبرى الشركات.
شراكة استراتيجية في قطاع الطاقة
يُعد قطاع الطاقة محوراً رئيسياً في هذه الشراكة المتنامية، حيث أكد الجانبان على دورهما الحيوي في المساهمة بتوفير الطاقة للمنطقة والأسواق العالمية. نوّه الجانب التركي بالدور الريادي للمملكة في تعزيز موثوقية واستقرار أسواق النفط العالمية، وهو ما يخدم مصالح المنتجين والمستهلكين ويدعم نمو الاقتصاد العالمي. الاتفاق على تعزيز التعاون في توريد النفط ومشتقاته والبتروكيماويات يمثل خطوة استراتيجية لضمان أمن الإمدادات وتوسيع نطاق القيمة المضافة من الموارد الهيدروكربونية. كما سيتم العمل المشترك للاستفادة من الفرص الاستثمارية في البتروكيماويات والمغذيات الزراعية، والتعاون في الاستخدامات المبتكرة للمواد الهيدروكربونية، مما يعزز التنوع الاقتصادي ويخلق فرصاً جديدة للنمو.
لم يقتصر التعاون على النفط التقليدي، بل امتد ليشمل مجالات الكهرباء والطاقة المتجددة، حيث أبدى الجانبان رغبتهما في الاستفادة من الخبرات الواسعة والاستثمارات الكبيرة في هذا القطاع. يشمل ذلك تسريع دراسات الجدوى للربط الكهربائي بين البلدين، وتبادل الخبرات في تقنيات الطاقة المتجددة وأتمتة الشبكات وأمنها، ومشاريع تخزين الطاقة. كما رحب الجانبان ببحث سبل التعاون في مجال الهيدروجين النظيف، الذي يُعد وقود المستقبل، وتطوير تقنياته المتعلقة بالنقل والتخزين. هذا التوجه نحو الطاقة النظيفة والمتجددة يعكس التزام البلدين بالتحول الطاقوي العالمي ومواجهة تحديات التغير المناخي، مع التركيز على تطوير سلاسل الإمداد المستدامة لقطاعات الطاقة والمعادن الحرجة الضرورية لهذا التحول.
التنسيق في القضايا الإقليمية والدولية
على الصعيد الدولي، جدد الجانبان عزمهما على مواصلة التنسيق وتكثيف الجهود لصون السلم والأمن الدوليين. تبادلا وجهات النظر حول القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، معربين عن قلقهما إزاء النزاعات والتوترات. أكدا أهمية التعاون الإقليمي والمبادرات الرامية إلى ضمان الاستقرار والازدهار.
بخصوص القضية الفلسطينية، أعرب الجانبان عن بالغ قلقهما إزاء تدهور الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة واستمرار العدوان الإسرائيلي. شددا على أهمية تكثيف العمل الإغاثي وفتح كافة المعابر لضمان إيصال المساعدات الإنسانية، ودعوا المجتمع الدولي للضغط على سلطات الاحتلال لضمان حماية المدنيين والالتزام بالقانون الدولي. أكدا ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار، وإنهاء الاحتلال، والتمهيد لعودة السلطة الوطنية الفلسطينية، وصولاً إلى تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية 2002. كما أشادا بالدور الحيوي لوكالة الأونروا وأدانوا انتهاكات الاحتلال ضدها.
وفي الشأن اليمني، أكد الجانبان دعمهما للشرعية اليمنية ووحدة اليمن وسلامة أراضيه، مشددين على ضرورة مواجهة أي محاولات لتقسيم البلاد. وأيد الجانب التركي الدور السعودي الهادف لإنهاء الأزمة اليمنية. أما في الصومال، فقد أكدا دعمهما الثابت لسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية ووحدة أراضيها، ورفضهما لأي إجراءات أحادية انفصالية. وفي السودان، جددا مواقفهما الداعمة لوحدة السودان وأمنه واستقراره، ورفض تشكيل أي كيانات غير شرعية، مع التأكيد على حماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية وإطلاق عملية سياسية يقودها السودانيون. وأشاد كل جانب بجهود الآخر في دعم السلام والاستقرار في هذه الدول.
وفيما يتعلق بالشأن السوري، أكد الجانبان دعمهما لجهود الحفاظ على أمن سوريا واستقرارها وسلامة ووحدة أراضيها، وشددا على أهمية تعزيز السلم الأهلي وقطع الطريق أمام التنظيمات الإرهابية. كما أكدا إدانتهما لانتهاكات سلطات الاحتلال الإسرائيلي المتكررة على الأراضي السورية وسيادتها، وطالبا بانسحاب إسرائيل الفوري من كافة الأراضي السورية المحتلة. وفي الأزمة الروسية الأوكرانية، أكد الجانبان دعمهما لتسوية شاملة عبر المفاوضات وفقاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
اختتمت الزيارة بتقديم الرئيس أردوغان شكره وتقديره للقيادة السعودية على حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة، معرباً عن تطلعه للترحيب بالملك سلمان وولي العهد في زيارة رسمية لتركيا. هذه الزيارة التاريخية تؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الشامل، وتؤكد على الدور المحوري الذي تلعبه كل من السعودية وتركيا في تعزيز الاستقرار والازدهار في المنطقة والعالم.


