spot_img

ذات صلة

خلافات مكان المفاوضات: هل تنجح الدبلوماسية بين إيران وأمريكا؟

بعد أقل من 24 ساعة على الإعلان عن استضافة إسطنبول جولة جديدة من المفاوضات المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، والتي كانت تهدف إلى نزع فتيل التوتر والحيلولة دون اندلاع حرب شاملة في المنطقة، كشفت مصادر مطلعة عن خلافات حادة حول “مكان” انعقاد هذه الجولة المرتقبة. هذه الخلافات تهدد بعرقلة الحراك الدبلوماسي المكثف الذي جاء نتيجة وساطات إقليمية ودولية متعددة، في وقت تتصاعد فيه حدة التوترات بين الطرفين.

خلفية تاريخية وسياق التوترات المتصاعدة

تأتي هذه المفاوضات في سياق تاريخي معقد من العلاقات المتوترة بين طهران وواشنطن، والتي تعود جذورها إلى الثورة الإيرانية عام 1979. شهدت السنوات الأخيرة تصعيداً كبيراً بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) عام 2018، وإعادة فرضها عقوبات اقتصادية قاسية على إيران ضمن حملة “الضغط الأقصى”. ردت إيران بتقليص التزاماتها النووية تدريجياً، مما أثار مخاوف دولية بشأن برنامجها النووي. وقد تفاقمت الأوضاع مع حوادث استهداف ناقلات النفط، واعتراض السفن، وإسقاط الطائرات المسيرة، ما دفع بالمنطقة إلى حافة المواجهة العسكرية المباشرة في عدة مناسبات.

صراع على المكان: تركيا أم سلطنة عمان؟

أفادت المصادر بأن طهران طلبت نقل المفاوضات من إسطنبول إلى سلطنة عمان، مع إصرارها على اقتصار المباحثات على الملف النووي وحصرها بالجانبين الإيراني والأمريكي فقط. وتوقعت مصادر عربية، نقلاً عن موقع “إكسيوس”، أن تعقد المحادثات في سلطنة عمان يوم الجمعة القادم. يبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد وافقت على الطلب الإيراني بنقل المحادثات من تركيا، في خطوة تعكس مرونة نسبية من الجانب الأمريكي. لطالما لعبت سلطنة عمان دور الوسيط المحايد والموثوق به في المفاوضات بين إيران والغرب، حيث استضافت محادثات سرية مهدت للاتفاق النووي عام 2015، مما يجعلها خياراً مفضلاً لطهران التي تسعى لضمان بيئة محايدة تماماً للمفاوضات الحساسة. في المقابل، ورغم دور تركيا كوسيط إقليمي، قد ترى طهران في مسقط شريكاً أكثر حيادية في هذه المرحلة الدقيقة.

نطاق المفاوضات والخطوط الحمراء

لا تزال المفاوضات جارية بشأن مشاركة دول عربية وإسلامية أخرى في هذه المحادثات المرتقبة، وهو ما يشير إلى تعقيد الأجندة المطروحة. وقد أكد مصدر دبلوماسي إيراني أن طهران “لا متفائلة ولا متشائمة” حيال المحادثات، مجدداً التأكيد على أن إيران لن تتفاوض بشأن قدراتها الدفاعية، في إشارة واضحة إلى برنامجها الصاروخي الذي تعتبره جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي. هذا التباين في الأجندات المحتملة – حيث ترغب واشنطن ربما في مناقشة قضايا أوسع تشمل النفوذ الإيراني الإقليمي وبرنامج الصواريخ، بينما تصر طهران على حصرها بالملف النووي – يمثل تحدياً كبيراً أمام أي تقدم دبلوماسي.

التهديد بالخيار العسكري وتصاعد الأحداث

من جانبه، صرح الرئيس ترامب في مؤتمر صحفي بالبيت الأبيض أن إدارته تتفاوض مع الجانب الإيراني، وأنهم “يرغبون في التوصل إلى اتفاق”. لكنه لم يتردد في التذكير بـ “عملية مطرقة منتصف الليل” (في إشارة إلى ضربات عسكرية سابقة أو تهديدات)، مضيفاً: “لا أعتقد أنهم يريدون تكرار ذلك، لكنهم يرغبون في التفاوض”. هذا التصريح يؤكد على أن الخيار العسكري لا يزال مطروحاً بقوة على الطاولة الأمريكية. وقد جاءت هذه التصريحات في أعقاب حادثة إسقاط مقاتلة أمريكية من طراز “إف-35 سي” لطائرة مسيرة إيرانية بعد اقترابها بشكل عدواني من حاملة الطائرات الأمريكية “أبراهام لينكولن”، وهو ما أكده المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) النقيب تيم هوكينز. هذه الحادثة تسلط الضوء على هشاشة الوضع الأمني والخطورة الكامنة في أي سوء تقدير، وتؤكد على أهمية المسار الدبلوماسي لتجنب المزيد من التصعيد.

أهمية المفاوضات وتأثيرها المتوقع

تكتسب هذه المفاوضات أهمية قصوى على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي. فمحلياً، يمكن أن تؤدي إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية الهائلة على الشعب الإيراني في حال التوصل لاتفاق يخفف العقوبات. إقليمياً، تمثل فرصة لخفض التصعيد في منطقة الخليج العربي، التي تعاني من حالة عدم استقرار مزمنة، وتأثير مباشر على أمن الملاحة الدولية وأسعار النفط العالمية. أي اتفاق يمكن أن يساهم في استقرار المنطقة ويقلل من مخاطر المواجهة العسكرية التي قد تكون لها تداعيات كارثية. دولياً، تهدف هذه الجهود إلى منع انتشار الأسلحة النووية والحفاظ على نظام عدم الانتشار، بالإضافة إلى تعزيز دور الدبلوماسية في حل النزاعات الدولية المعقدة. إن فشل هذه المفاوضات قد يدفع بالمنطقة نحو مزيد من التوتر، وربما صراع أوسع نطاقاً، مما يجعل كل خطوة دبلوماسية في غاية الأهمية.

spot_imgspot_img