مطالبات ألمانية متجددة: إعادة احتياطيات الذهب من الولايات المتحدة وسط مخاوف جيوسياسية
تجددت المطالبات في ألمانيا بإعادة احتياطياتها الذهبية الضخمة المخزنة في الولايات المتحدة، وذلك في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية والسياسات الأمريكية التي توصف بأنها “غير متوقعة”. فقد دعا اتحاد دافعي الضرائب الألمان صراحة إلى استعادة الذهب الألماني من الولايات المتحدة في أقرب وقت ممكن، مستنداً في ذلك إلى تدهور الثقة في واشنطن بسبب سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وفي تصريحات لصحف مجموعة بافاريا الإعلامية، أكد نائب رئيس اتحاد دافعي الضرائب الألمان، ميشائيل يَغَر، أن “الوقت قد حان لإعادة الذهب الألماني من الولايات المتحدة”، مشيراً إلى أن سياسات ترامب قد ألحقت ضرراً بالغاً بالثقة في العلاقات الثنائية. هذه الدعوة تعكس قلقاً متزايداً داخل الأوساط الألمانية بشأن استقرار الأصول الوطنية الحيوية في ظل تحولات السياسة الخارجية الأمريكية.
يبلغ حجم الاحتياطي الألماني من الذهب نحو 3,352 طناً في نهاية عام 2024، مما يجعل ألمانيا ثاني أكبر حائز للذهب في العالم بعد الولايات المتحدة. ووفقاً للبنك المركزي الألماني (البوندسبنك)، يُخزَّن أكثر من نصف هذا الذهب في خزائنه الخاصة في فرانكفورت، بينما تُحفَظ كمية كبيرة تبلغ 1,236 طناً، أي نحو 37% من الإجمالي، لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. هذه الأرقام تسلط الضوء على الأهمية الاستراتيجية لهذه الاحتياطيات.
خلفية تاريخية وأهمية الاحتياطيات الذهبية
تعود قصة تخزين الذهب الألماني في الخارج إلى حقبة الحرب الباردة، حيث قررت ألمانيا الغربية في ذلك الوقت نقل جزء كبير من احتياطياتها الذهبية إلى دول حليفة مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا. كان الهدف الأساسي من هذا الإجراء هو حماية هذه الأصول الثمينة من أي غزو محتمل من قبل الاتحاد السوفيتي، وضمان سهولة الوصول إليها في حال الحاجة لدعم المارك الألماني أو تسوية المدفوعات الدولية. كانت هذه الخطوة تعكس الثقة العميقة في الحلفاء الغربيين والتزام ألمانيا بالاندماج في النظام الاقتصادي والسياسي الغربي بعد الحرب العالمية الثانية.
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تُثار فيها قضية إعادة الذهب. ففي عام 2013، أطلق البنك المركزي الألماني برنامجاً طموحاً لإعادة ما يقرب من 674 طناً من الذهب من باريس ونيويورك إلى فرانكفورت، بهدف تخزين 50% من إجمالي احتياطياته داخل البلاد. وقد اكتمل هذا البرنامج بنجاح في عام 2017، مما يدل على قدرة ألمانيا على إدارة هذه العملية اللوجستية المعقدة ويعكس رغبة متزايدة في تعزيز السيادة المالية الوطنية.
تباين الآراء وتأثير السياسات الأمريكية
على الرغم من هذه المطالبات، لا يرى رئيس البنك المركزي الألماني، يواخيم ناغِل، سبباً ملحاً لإعادة احتياطيات الذهب الألمانية من الولايات المتحدة. وقد صرح ناغِل مؤخراً لصحيفة «فرانكفورتر ألجماينه تسايتونج» قائلاً: «لا أشك في أن ذهبنا محفوظ بأمان لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك»، مؤكداً على استمرار الثقة في المؤسسات المالية الأمريكية. هذا التباين في المواقف يعكس الانقسام بين المخاوف السياسية والاقتصادية من جهة، والثقة المؤسسية من جهة أخرى.
في المقابل، يرى يَغَر أن السياسات الاقتصادية الأمريكية، خاصة في عهد ترامب، تثير القلق. فقد أشار إلى أن الولايات المتحدة تدفع سنوياً فوائد بقيمة تريليون دولار على ديونها الحكومية المتزايدة، لافتاً إلى أن تحقيق إيرادات إضافية بأي ثمن أصبح أمراً حيوياً لإدارة ترامب، حتى لو كان ذلك عبر فرض رسوم جمركية أعلى، والتي قد لا تكون كافية. هذه المخاوف تتغذى من سياسات “أمريكا أولاً” التي تبناها ترامب، والتي أدت إلى توترات تجارية ودبلوماسية مع العديد من الحلفاء التقليديين، مما يثير تساؤلات حول مدى استقرار العلاقات الاقتصادية والمالية المستقبلية.
الأهمية والتأثيرات المحتملة
إن إعادة احتياطيات الذهب لا تمثل مجرد عملية لوجستية، بل تحمل دلالات رمزية وجيوسياسية عميقة. فهي تعكس رغبة في تعزيز السيادة الوطنية والاستقلال المالي، خاصة في أوقات عدم اليقين الاقتصادي والسياسي العالمي. على المستوى المحلي، يمكن أن تعزز هذه الخطوة ثقة الجمهور الألماني في قدرة بلادهم على حماية أصولها الاستراتيجية. أما على الصعيد الدولي، فإن مثل هذه الخطوة قد تبعث برسالة إلى الحلفاء الآخرين بأن ألمانيا تعيد تقييم ترتيباتها الأمنية والمالية في ضوء التغيرات الجيوسياسية، وقد تشجع دولاً أخرى على مراجعة سياسات تخزين احتياطياتها.
في الختام، يظل الجدل حول إعادة الذهب الألماني من الولايات المتحدة مؤشراً على التحديات الأوسع التي تواجه العلاقات عبر الأطلسي. إنه يعكس صراعاً بين التقاليد الراسخة للتعاون والثقة، وبين المخاوف المتزايدة بشأن السياسات الوطنية المتقلبة وتأثيرها على الاستقرار الاقتصادي والسياسي العالمي.


