تترسخ مكانة محافظة العلا كإحدى أبرز الوجهات الثقافية والفنية العالمية، مستندةً إلى إرث حضاري عريق يمتد لآلاف السنين، ومقومات طبيعية وتاريخية استثنائية، ورؤية ثقافية متكاملة جعلت منها منصة حيوية للإبداع الفني، وإنتاج المعرفة، والحوار الثقافي المعاصر. تُعد العلا، التي تقع في شمال غرب المملكة العربية السعودية، كنزاً أثرياً فريداً، حيث كانت ملتقى للحضارات القديمة ومحطة رئيسية على طريق البخور التجاري، مما أكسبها عمقاً تاريخياً لا مثيل له.
تزخر العلا بمشهد ثقافي وفني متنوّع يشمل المعارض الثقافية والفنية المتخصصة، والمتاحف المفتوحة، والمواقع الأثرية التي تحتضن نقوشاً وكتابات تاريخية توثّق تعاقب الحضارات الإنسانية على أرضها. من أبرز هذه المواقع مدينة الحِجر (مدائن صالح)، أول موقع سعودي يُسجل في قائمة اليونسكو للتراث العالمي، والتي تضم مقابر نبطية منحوتة في الصخر تشهد على براعة معمارية وفنية استثنائية. هذا الإرث الغني أسهم في ترسيخ حضور العلا بوصفها مركزاً ثقافياً يجمع بين أصالة التاريخ وحيوية التعبير الفني المعاصر.
على مدار العام، تستضيف العلا مجموعة واسعة من المعارض والتجارب الثقافية والفنية التي تسلّط الضوء على الفنون البصرية، والتصميم، والحِرَف، والتصوير، والسينما، إلى جانب تكليفات فنية نوعية، وأبحاث ومنشورات متخصصة، وبرامج إقامة فنية تسهم في إنتاج المعرفة الفنية وتبادلها. توفر هذه البرامج منصات للحوار الإبداعي بين الفنانين والباحثين والجمهور، مما يعزز التبادل الثقافي ويفتح آفاقاً جديدة للإلهام.
تُعد المتاحف المفتوحة من أبرز ملامح التجربة الثقافية في العلا، إذ تتجلّى النقوش الصخرية والكتابات القديمة في مواقع متعددة، شاهدة على إرث حضاري يمتد لآلاف السنين. تقدم هذه المواقع للزوار تجربة معرفية مباشرة في قلب الطبيعة، تجمع بين التاريخ والبيئة والتراث الإنساني. يبرز معرض دادان بوصفه محطة معرفية رئيسة، يسلّط الضوء على حضارتي دادان ولحيان، ويقدّم سرداً تاريخياً وعلمياً لتطوّر المجتمعات القديمة في العلا، من خلال معروضات أثرية ومحتوى تفسيري يعمّق فهم الزوار لدور العلا بوصفها مركزاً حضارياً وتجارياً مؤثراً عبر العصور.
كما تحتضن العلا مساحات العلا للتصميم، الواقعة ضمن حي الجديدة للفنون، التي تستضيف معارض وأنشطة ثقافية وفنية متخصصة، إلى جانب مكتبة العلا العامة، التي تؤدي دوراً محورياً في تنشيط الحراك الثقافي والمعرفي عبر برامج قرائية، وورش عمل، ولقاءات أدبية، وأنشطة ثقافية وفنية تستهدف مختلف الفئات العمرية، مما يثري المشهد الثقافي المحلي ويجذب الزوار من كل مكان.
«مرايا».. مركز ثقافي عالمي ومعلم معماري فريد
تتجلّى هذه الرؤية الثقافية في قاعة مرايا، التي تُعد مركزاً ثقافياً عالمياً وتحفةً معمارية فريدة تُصنَّف كأكبر مبنى مغطّى بالمرايا في العالم. تحتضن مرايا على مدار العام فعاليات ثقافية وفنية وعروضاً إبداعية، في تجربة بصرية تعكس انسجام الفن مع الطبيعة المحيطة. وفي السياق ذاته، تبرز ثنايا العلا بوصفها مسرحاً ثقافياً مفتوحاً في قلب الطبيعة، تتداخل فيه التكوينات الصخرية المذهلة مع الفضاءات المفتوحة لتشكّل بيئة فريدة احتضنت العديد من الأنشطة الثقافية والفنية، وشهدت تنظيم عروض إبداعية وتجارب فنية معاصرة استلهمت خصوصية المكان وطبيعته الجيولوجية، مقدّمةً للجمهور تجربة ثقافية تجمع بين الفن والطبيعة في إطار بصري وإنساني متكامل.
مهرجانات عالمية ومشاريع فنية رائدة
تستضيف العلا سنوياً مهرجان فنون العلا ومهرجان الممالك القديمة، اللذين يسهمان في إبراز العمق الحضاري والتنوّع الثقافي والفني للمحافظة، من خلال فعاليات ثقافية متنوعة تسرد للزائر تاريخ حضارات متعاقبة، وبرامج فنية ومعارض وتجارب تفاعلية تعكس مكانة العلا الثقافية على المستويين المحلي والدولي. إلى جانب احتضانها مشروعات فنية رائدة مثل وادي الفن، الذي يُطوَّر بوصفه وجهة دائمة للفن المعاصر في الهواء الطلق، وفعالية صحراء X العلا التي تحوّل المشهد الصحراوي إلى منصة عالمية للأعمال الفنية المعاصرة، في تجارب تجمع بين الإبداع والطبيعة وتُعزّز حضور العلا على خارطة الفنون العالمية.
وفي إطار هذا الحراك الثقافي، أُعلن رسمياً عن اسم ورؤية متحف العلا للفن المعاصر، بوصفه مؤسسة فنية مرتقبة تسهم في تعزيز حضور العلا في المشهد الفني العالمي، وترسيخ مكانتها مركزاً للحوار الثقافي المعاصر، انطلاقاً من إرثها الحضاري العريق وموقعها التاريخي في شمال غرب المملكة، على أن يُفتتح المتحف رسمياً في مرحلة لاحقة. هذه المبادرات تتماشى تماماً مع أهداف رؤية السعودية 2030 الرامية إلى تنويع مصادر الدخل، وتعزيز السياحة الثقافية، وخلق فرص عمل جديدة، مما يجعل العلا نموذجاً للتنمية المستدامة التي تحافظ على التراث وتستشرف المستقبل.
يأتي هذا الزخم الثقافي نتيجة شراكات دولية واسعة أُبرمت مع مؤسسات ثقافية وفنية عالمية مرموقة، أسهمت في تبادل الخبرات، وتطوير البرامج الفنية، واستقطاب فنانين وباحثين من مختلف دول العالم، بما يعزّز مكانة العلا بوصفها منصة عالمية للإنتاج الثقافي والفني. تتقدم العلا اليوم كجهة ثقافية وفنية عالمية تجمع بين أصالة الماضي وحيوية الحاضر، وتسهم بفاعلية في صياغة مستقبل ثقافي معاصر يعكس عمق الهوية الإنسانية، ويعزّز حضور المملكة العربية السعودية في المشهد الثقافي والفني الدولي، مؤكدة دورها كجسر للتواصل الحضاري والإبداع الإنساني.


