يواجه بنك إنجلترا قرارًا حاسمًا بشأن سياسته النقدية، حيث يتجه نحو الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند مستوى 3.75%، وذلك في ظل استمرار معدلات التضخم أعلى من المستهدف، بالتزامن مع ظهور مؤشرات على تعافٍ تدريجي للاقتصاد البريطاني. هذا القرار المرتقب يعكس التوازن الدقيق الذي يسعى البنك المركزي لتحقيقه بين كبح جماح الأسعار ودعم النمو الاقتصادي في المملكة المتحدة.
السياق العام والخلفية التاريخية:
لطالما لعبت البنوك المركزية دورًا محوريًا في استقرار الاقتصادات العالمية من خلال أدوات السياسة النقدية، وعلى رأسها أسعار الفائدة. فبعد فترة طويلة من أسعار الفائدة المنخفضة للغاية التي أعقبت الأزمة المالية العالمية عام 2008، ثم جائحة كوفيد-19، شهد العالم موجة تضخمية غير مسبوقة بدأت في أواخر عام 2021 وتفاقمت مع الغزو الروسي لأوكرانيا. أدت هذه الأحداث إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد وارتفاع حاد في أسعار الطاقة والغذاء، مما دفع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية في العديد من الدول، بما في ذلك المملكة المتحدة.
لمواجهة هذا التحدي، شرع بنك إنجلترا، على غرار البنوك المركزية الكبرى الأخرى مثل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي، في دورة تشديد نقدي قوية. بدأت هذه الدورة برفع أسعار الفائدة بشكل متتالٍ وسريع اعتبارًا من أواخر عام 2021، بهدف امتصاص السيولة من الأسواق وتقليل الطلب الكلي، وبالتالي كبح جماح التضخم وإعادته إلى مستهدفه البالغ 2%. وقد وصلت أسعار الفائدة في بريطانيا إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات طويلة خلال هذه الفترة، مما أثر بشكل مباشر على تكاليف الاقتراض للمستهلكين والشركات.
المعضلة الاقتصادية الحالية:
يجد بنك إنجلترا نفسه اليوم أمام معضلة حقيقية. فمن جهة، لا تزال معدلات التضخم، وإن كانت قد بدأت في التراجع عن ذروتها، أعلى بكثير من الهدف المحدد، مما يستدعي الحذر المستمر. ومن جهة أخرى، بدأت تظهر علامات على تباطؤ النمو الاقتصادي أو حتى ركود محتمل، مما يجعل أي رفع إضافي لأسعار الفائدة محفوفًا بالمخاطر. الإبقاء على سعر الفائدة عند 3.75% (أو أي مستوى مرتفع نسبيًا) يمثل محاولة للحفاظ على الضغط على التضخم دون خنق التعافي الاقتصادي الهش. تعتمد لجنة السياسة النقدية بالبنك على مجموعة واسعة من البيانات الاقتصادية، بما في ذلك مؤشر أسعار المستهلك (CPI)، نمو الأجور، بيانات سوق العمل، ومؤشرات ثقة المستهلك والأعمال، لاتخاذ قراراتها.
القرار بالإبقاء على الفائدة دون تغيير يشير إلى أن البنك يرى أن السياسة النقدية الحالية مقيدة بما يكفي لإعادة التضخم إلى هدفه على المدى المتوسط، مع إعطاء الاقتصاد فرصة للتكيف مع المستويات المرتفعة لتكاليف الاقتراض. كما أنه يعكس تقييمًا بأن المخاطر على النمو الاقتصادي قد تكون أكبر من مخاطر استمرار التضخم في الوقت الراهن، أو أن التضخم يتجه نحو الانخفاض بشكل طبيعي بفضل العوامل الأساسية.
الأهمية والتأثير المتوقع:
لهذا القرار تداعيات واسعة النطاق على الاقتصاد البريطاني والمشهد المالي العالمي. محليًا، سيؤثر تثبيت سعر الفائدة على تكاليف الرهون العقارية والقروض الشخصية وقروض الشركات، مما يؤثر بدوره على الإنفاق الاستهلاكي والاستثمار التجاري. قد يوفر بعض الاستقرار للمقترضين بعد فترة من التقلبات، بينما قد يشعر المدخرون بخيبة أمل لعدم ارتفاع عوائد ودائعهم. كما يؤثر القرار على سوق الإسكان وعلى قدرة الحكومة على الاقتراض.
إقليميًا ودوليًا، يمكن أن يؤثر قرار بنك إنجلترا على قيمة الجنيه الإسترليني في أسواق العملات، مما يؤثر على التجارة الدولية والاستثمارات الأجنبية. كما أن سياسات البنوك المركزية الكبرى غالبًا ما تكون مترابطة؛ فقرار بنك إنجلترا قد يؤثر على توقعات الأسواق بشأن قرارات البنوك المركزية الأخرى في أوروبا والعالم، خاصة تلك التي تواجه تحديات تضخمية مماثلة. إنه يعكس التحدي العالمي المتمثل في تحقيق التوازن بين استقرار الأسعار ودعم النمو في بيئة اقتصادية عالمية متقلبة.


