spot_img

ذات صلة

بنسعيد العلوي: الرواية عمق فكري وثقافي يتجاوز السرد البسيط

يُعد الدكتور سعيد بنسعيد العلوي، المفكر والروائي المغربي البارز، قامة فكرية وأدبية تجمع بين الأصالة والمعاصرة. في حواراته ولقاءاته، لا يخفت وهج إعجابه وتقديره العميق للفكر الروائي، مؤكداً أن الكتابة الروائية ليست مجرد سرد للأحداث، بل هي تجسيد لعمق ثقافي وفكري وأخلاقي. هذه الرؤية المتفردة تنبع من مسيرة حافلة بالبحث والنقد والإبداع، جعلت منه شخصية محورية في المشهد الثقافي العربي.

نشأة في رحاب المعرفة: مدينة بجناحين ومكتبة والد عامرة

يصف الدكتور بنسعيد العلوي مدينته الأم بأنها ذات «جناحين»، أحدهما «عصري» استحدثه الاستعمار الفرنسي بطابعه الأوروبي في البناء ونمط العيش، والآخر «تقليدي» يمثل المدينة الأصيلة ذات الطابع الإسلامي في تنظيمها وهياكلها. في هذا الجناح الأصيل، وُلد ونشأ وتعلم، شأنه في ذلك شأن جيله. هذه الازدواجية الثقافية في المدينة كان لها أثر عميق في تكوين شخصيته الفكرية، حيث مزجت بين الأصالة والمعاصرة، وفتحت آفاقاً واسعة للتفكير النقدي والتأمل في الهوية.

كان للمحيط العائلي دور محوري في صقل وعيه، فوالده كان فقيهاً ومعلماً في المعهد الديني بالمدينة، ويمتلك مكتبة ضخمة ومتنوعة تضم كتباً في التاريخ والأدب والفقه والتفسير والحديث، بالإضافة إلى مؤلفات «عصرية» في ذلك الزمان. هذه المكتبة كانت عالماً بحد ذاته، يغوص فيها بنسعيد العلوي يومياً، مستلهماً منها شغفه بالقراءة والمعرفة. لم تقتصر اهتماماته على الكتب الدينية، بل امتدت لتشمل الأدب الحديث والسير الذاتية، مما شكل لديه قاعدة معرفية واسعة ومتعددة الأبعاد. هذا التنوع في مصادر المعرفة، إلى جانب حرص والده على تلبية رغباته في اقتناء كتب الأطفال، ساهم في بناء شخصية محبة للاستكشاف والاطلاع.

إلى جانب القراءة، كان الدكتور بنسعيد العلوي حريصاً على زيارة السينما أسبوعياً، منغمساً في عالمها الساحر، ومحاطاً بثلّة من الأصدقاء الذين شاركوه هذه الاهتمامات. هذه التجارب الثقافية المتنوعة، من الكتب إلى الأفلام والموسيقى، أثرت بشكل كبير في تشكيل عشقه للخيال والفن والأدب، وساهمت في بناء شخصيته الثقافية المتكاملة.

من الفلسفة إلى الرواية: رؤية نقدية للأهلية الأدبية

في فترة المراهقة، وبعد مغادرته عالم الطفولة، بدأ الدكتور بنسعيد العلوي يشعر بأن مستقبله مرتبط بالأدب والثقافة. كان مفتوناً بشخصية «الكاتب»، ويرسم لها في خياله صوراً وردية تزداد بهاءً كلما أحاط بأحداث الأدباء ورواة سيرهم. تأثر بشخصيات أدبية وسينمائية مثل يوسف السباعي وأحمد مظهر، ووجد نفسه منجذباً إلى أعمال إرنست هيمنغواي. هذا الانبهار قاده إلى كتابة قصص قصيرة ومسرحيات في سرية تامة، محتفظاً بها لنفسه ولصديقين مقربين فقط.

يؤكد بنسعيد العلوي أن انخراطه في الكتابة الروائية جاء من خلفية أكاديمية وفكرية عميقة، فهو كاتب في أدبيات الدولة، ومناقش للفكر الإصلاحي، ومتناول لسيرة علال الفاسي، وخائض في غمار الرواية، وصائغ لمقالات عميقة. هذا التنوع في اهتماماته يعكس رؤيته بأن «ليس كل من كتب الرواية أهلاً لها». فالأهلية للكتابة الروائية، في نظره، لا تقتصر على القدرة على السرد، بل تتطلب عمقاً ثقافياً وفلسفياً وتجربة حياتية غنية تمكن الكاتب من معالجة القضايا الإنسانية والفكرية بوعي واقتدار. هذا ما جعله يُصنف ضمن «ظاهرة الروائيين الوافدين» على الرواية من عوالم التاريخ والفلسفة والسياسة، وهي ظاهرة أثرت المشهد الأدبي المغربي والعربي بآفاق جديدة.

محمد عزيز الحبابي: رائد الفلسفة المغربية وتأثيره

عند الحديث عن «أبو الفلسفة» في المغرب، لا يتردد الدكتور بنسعيد العلوي في الإشارة إلى المرحوم محمد عزيز الحبابي. فالحبابي كان صاحب أول أطروحة دكتوراه دولة في الفلسفة من جامعة السوربون عام 1954، وهو أول فيلسوف مغربي ارتبط اسمه بتأسيس مذهب فلسفي (الشخصانية الإسلامية). كما يرتبط اسمه بتأسيس أول جامعة عصرية في المغرب، جامعة محمد الخامس، وتدريس الفلسفة فيها. هذا التقدير للحبابي يعكس وعي بنسعيد العلوي بأهمية الرواد في بناء الصرح الفكري لأي أمة، ويؤكد على الجذور العميقة للفلسفة في المشهد الثقافي المغربي.

النخبة المثقفة والجوائز الأدبية: رؤية نقدية للواقع العربي

يتناول الدكتور بنسعيد العلوي دور النخبة المثقفة في المجتمعات العربية بنظرة نقدية. يرى أن صورة المثقف في الوعي الاجتماعي العربي ودوره المنشود، بالإضافة إلى ارتفاع نسبة الإقبال على تداول الكتب والمجلات والبرامج الثقافية التلفزيونية والمواقع الثقافية على الإنترنت، لا تزال بعيدة كل البعد عن مثيلاتها في أوروبا وأمريكا والدول العظمى في جنوب شرق آسيا. هذه المقارنة تكشف عن أسف وإشفاق على واقعنا العربي، حيث يرى أن نخبتنا المثقفة أبعد ما تكون عن القدرة على التأثير الفعلي في مجتمعاتنا العربية. فإذا كان الدور الأساسي للمثقف هو صناعة الوعي والدفع نحو الأمام، فإن النخبة المثقفة العربية في واقعنا الحالي لا تملك من الأمر شيئاً يذكر.

وفيما يخص الجوائز الأدبية، يوجه بنسعيد العلوي تحية لكل الجهات التي تنظم جوائز للكتاب في عالمنا العربي، سواء كانت رسمية حكومية أو مبادرات من المجتمع المدني. ومع ذلك، لا يخلو الأمر، في بعض الأحيان، من سوء تصرف يشوب تنظيم الجائزة، بدءاً من تكوين لجان القراءة والاختيار، وانتهاءً بالبث النهائي الذي يعود لأسباب متعددة. يدعو إلى مراجعات شاملة تهدف إلى القضاء على ظاهرة «الشللية» وغيرها من الظواهر التي تسيء إلى سمعة الجائزة وتشوّه صورة الجهة التي تنتمي إليها، ناهيك عن انعكاساتها السلبية على العمل الثقافي والكتاب العربي ككل.

تواصل ثقافي: العلاقة بالثقافة السعودية

بدأت علاقة الدكتور بنسعيد العلوي بالثقافة السعودية عبر التلفزيون، ثم تطورت إلى مشاهدات واتصالات مباشرة مكنته من حضور فعاليات مهرجان الجنادرية عدة مرات. هذه العلاقة القديمة توسعت لتشمل المثقفين السعوديين الذين تعرف عليهم في العديد من الملتقيات الفكرية، سواء في العالم العربي أو خارجه، ومن خلال مؤلفاتهم في الرواية والفكر السياسي والدراسات النقدية وصفحات الرأي في الجرائد العربية واسعة التوزيع. يعتز باكتسابه صداقة كوكبة عظيمة من الأصدقاء السعوديين، منهم الروائيون عثمان الرافة، ومعجب الزهراني، وعبدالله الغذامي، وأبوبكر باقادر، وتركي الحمد، ومشاري الذايدي، وتركي الدخيل، وغيرهم من الشعراء والوزراء والأفاضل الذين ساعدوه الحظ بمعرفتهم.

خاتمة: مفكر متعدد الأبعاد

يظل الدكتور سعيد بنسعيد العلوي نموذجاً للمفكر الشامل الذي لا يرى حدوداً بين الفلسفة والأدب والتاريخ. إن رؤيته النقدية للرواية، وتأكيده على ضرورة العمق الفكري والثقافي في الكتابة، تعكس التزامه بالارتقاء بالمشهد الثقافي. مسيرته الحافلة بالإنجازات، من الكتب النظرية إلى الروايات، ومن المشاركات الفكرية إلى النقد الثقافي، تؤكد على مكانته كصوت مؤثر يسعى دائماً لإثراء الحوار الفكري ورفع مستوى الوعي في العالم العربي.

spot_imgspot_img