spot_img

ذات صلة

التطرف الرقمي: مخاطره، أساليبه، وجهود مكافحته عالمياً

في عصر تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي، بات الفضاء الافتراضي بيئة خصبة لتنامي ظواهر معقدة، أبرزها التطرف الرقمي. لم تعد محاولات الترويج للأيديولوجيات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية مقتصرة على التجمعات التقليدية، بل انتقلت إلى المنصات والمواقع الإلكترونية، حيث تتخذ صفحات مشبوهة ومضللة من الإنترنت ساحة لنشر الإجرام والتفاخر برموز الإرهاب. هذه المحاولات اليائسة تستهدف استدراج العقول، خاصة الشباب والأطفال، نحو تحقيق أهداف خبيثة عبر عرض محتويات متطرفة، بهدف تكوين خلايا نائمة وإلحاقهم بعقائدهم الفاسدة ومحارق التطرف والإرهاب في الدول التي تتواجد فيها هذه التنظيمات.

يمثل التطرف الرقمي تحديًا معقدًا وغير مسبوق، فهو امتداد للتطرف التقليدي لكنه يتجاوزه في الخطورة والانتشار. فبينما يعتمد التطرف التقليدي على التواصل المباشر ويكون محدودًا بالجغرافيا وينتشر ببطء نسبي، مستندًا إلى التجمعات والاتصالات المباشرة التي يسهل كشفها، يعتمد التطرف الرقمي على السرعة والسرية وسهولة الوصول للمتلقي دون كشف هويته، متجاوزًا الحدود الجغرافية بسهولة، مما يجعل مراقبته والتحكم فيه أكثر صعوبة. لقد نجحت الجماعات الإرهابية والمتطرفة في تسخير بعض المنصات الرقمية، واستغلال أدوات الذكاء الاصطناعي، لنقل أنماط التطرف التقليدية إلى فضاءات رقمية أوسع وأكثر تأثيرًا.

تطور الظاهرة: من التجمعات إلى الفضاء السيبراني

تاريخيًا، اعتمدت الجماعات المتطرفة على وسائل بدائية لنشر أفكارها، مثل المنشورات المطبوعة والاجتماعات السرية والتواصل المباشر. ومع ظهور الإنترنت وتطوره، بدأت هذه الجماعات في استغلاله كأداة جديدة للتجنيد والتعبئة. في البداية، كانت المنتديات والمواقع الإلكترونية البسيطة هي الساحة الرئيسية، لكن مع بزوغ عصر وسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية، شهد التطرف تحولًا جذريًا. أصبحت هذه المنصات بيئة خصبة لنشر الأيديولوجيات المتطرفة، حيث يمكن للمتطرفين الوصول إلى جمهور عالمي واسع، والتواصل مع الأفراد بشكل سري، وتشكيل مجتمعات افتراضية مغلقة تعزز من أفكارهم المنحرفة.

لقد اتخذ التطرف أشكالًا جديدة عبر الفضاء الرقمي؛ سعيًا لاستهداف الشباب، ونشر أهدافهم، والترويج لبطولاتهم المزعومة، عبر منصات قد يقع ضحية لها الأطفال والمراهقون، خصوصًا أنهم أصحاب تجربة بسيطة يمكن التأثير عليهم بسهولة والتغرير بهم. تستغل هذه الجماعات الفراغ العاطفي والبحث عن الهوية لدى هذه الفئات، وتقدم لهم سرديات مشوهة تبرر العنف والكراهية، مستخدمة تقنيات الإقناع الرقمي المتطورة.

رؤى الخبراء: تحول مسار التطرف

يؤكد خبير الفضاء الرقمي والأمن السيبراني، محمد السريعي، أن التطرف شهد في الأعوام الأخيرة تشكلًا في قدراته وتغييرًا في مساره، إذ انتقل إلى التطرف الرقمي واستخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة. وقد استخدم هؤلاء منصات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية وقنوات التخاطب، حيث يصعب تمييز المحتوى النافع من التوجه نحو التطرف والإرهاب ليغذي توجهاته المنحرفة. لا شك أن الفضاء السيبراني مكّن من الجمع بين أفراد ينتمون إلى هويات مختلفة في مجموعات تشكلت من أماكن متفرقة في أنحاء العالم لخدمة أهداف لا يستطيعون تنفيذها على أرض الواقع.

ويشير السريعي إلى مخاطر الغرف المغلقة، مبينًا أن التنظيمات المتطرفة استغلت هذه المساحة الآمنة، وحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة حرب تدور رحاها على صفحات الإنترنت، وبثت من خلالها سمومها الخبيثة في محاولة لجمع الأنصار تارة، وللترويج عن انتصاراتها الوهمية تارة أخرى. ويضيف أن المراقب لنشاط التنظيمات المتطرفة على مواقع التواصل الاجتماعي، يجد أنها نجحت في التوسع بين ثنايا المواقع، فاتخذت من تويتر وتيليغرام واليوتيوب وباقي المنصات الأخرى، موقعًا لها لمخاطبة عناصرها واستقطاب عناصر أخرى جديدة، عبر الغرف المغلقة. لقد احترفت هذه التنظيمات تناول الأيديولوجيات الرقمية، وصناعة الكراهية، واستغلت السرديات التاريخية والثقافية والدينية لتحريف الحقائق وتحفيز العنف، وتأكيد الانقسامات المجتمعية العميقة التي تسهّل تدمير المجتمعات وتغذّي الحروب.

التأثيرات العالمية والجهود القانونية

إن تأثير التطرف الرقمي لا يقتصر على نطاق محلي أو إقليمي، بل يمتد ليشكل تهديدًا عالميًا للأمن والسلم الدوليين. فقدرة هذه الجماعات على تجاوز الحدود الجغرافية تعني أن أي فرد في أي مكان يمكن أن يكون هدفًا للتجنيد أو التأثر بأفكارها. هذا يتطلب استجابة دولية منسقة، تتضمن التعاون بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمجتمع المدني لمواجهة هذا التحدي المتنامي.

على الصعيد القانوني، تتخذ العديد من الدول إجراءات صارمة لمكافحة هذه الظاهرة. وفي هذا السياق، تؤكد المستشارة القانونية المحامية ندى العتيبي أن نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية في المملكة العربية السعودية نصَّ على عقوبات رادعة لكل من يخالف النظام أو إحدى مواده. فالمادة السادسة من النظام تعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تزيد على ثلاثة ملايين ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كلَّ شخص يرتكب إنتاج ما من شأنه المساس بالنظام العام، أو القيم الدينية، أو الآداب العامة، أو حرمة الحياة الخاصة، أو إعداده، أو إرساله، أو تخزينه عن طريق الشبكة المعلوماتية، أو أحد أجهزة الحاسب الآلي. كما يعاقب بالعقوبة ذاتها كل من يقوم بإنشاء موقع على الشبكة المعلوماتية، أو أحد أجهزة الحاسب الآلي أو نشره، للاتجار في الجنس البشري، أو تسهيل التعامل به، أو يقوم بإنشاء المواد والبيانات المتعلقة بالشبكات الإباحية، أو أنشطة الميسر المخلة بالآداب العامة أو نشرها أو ترويجها، كما تتضمن القيام بإنشاء موقع على الشبكة المعلوماتية، أو أحد أجهزة الحاسب الآلي أو نشره؛ للاتجار بالمخدرات، أو المؤثرات العقلية، أو ترويجها، أو طرق تعاطيها، أو تسهيل التعامل بها.

وتشدد العتيبي على أن المادة السابعة قد حملت نصًّا يتضمن أنه يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على عشر سنوات وبغرامة لا تزيد على خمسة ملايين ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كلُّ شخص يرتكب أيًّا من الجرائم المعلوماتية من إنشاء موقع لمنظمات إرهابية على الشبكة المعلوماتية، أو أحد أجهزة الحاسب الآلي أو نشره؛ لتسهيل الاتصال بقيادات تلك المنظمات، أو أيٍّ من أعضائها أو ترويج أفكارها أو تمويلها، أو نشر كيفية تصنيع الأجهزة الحارقة، أو المتفجرات، أو أي أداة تستخدم في الأعمال الإرهابية. وتبيّن أن العقوبة خصصت كذلك لكل من يقوم بالدخول غير المشروع إلى موقع إلكتروني، أو نظام معلوماتي مباشرة، أو عن طريق الشبكة المعلوماتية، أو أحد أجهزة الحاسب الآلي للحصول على بيانات تمسُّ الأمن الداخلي أو الخارجي للدولة، أو اقتصادها الوطني.

جهود مكافحة التطرف الرقمي: نموذج مركز اعتدال

في إطار الجهود العالمية لمكافحة هذه الظاهرة، يبرز دور المراكز المتخصصة مثل المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف (اعتدال). يؤكد المركز أنه خلال عام 2025م، وفي مجال مكافحة التطرف الرقمي، تمت إزالة 97.6 مليون مادة متطرفة وإغلاق 4,294 قناة استخدمت لنشر المحتوى المتطرف على منصة (تيليغرام) بالتعاون مع المنصة. ويضيف المركز أن التعاون المستمر بينه وبين منصة (تيليغرام) في مجال مكافحة التطرف الرقمي أثمر عن نتائج ملموسة خلال عام 2025؛ تمثلت في إزالة 97,611,787 مادة متطرفة، إلى جانب إغلاق 4,294 قناة كانت تُستخدم لبث ونشر المحتوى المتطرف.

توزعت نتائج الجهود المشتركة على مدار 2025م؛ إذ شهد الربع الأول (يناير – مارس) إزالة 16,062,667 مادة متطرفة وإغلاق 1,408 قنوات. وفي الربع الثاني (أبريل – يونيو) تم حذف 30,846,485 مادة متطرفة كانت منشورة عبر 1,254 قناة. أما الربع الثالث (يوليو – سبتمبر) فقد أسفر عن إزالة 28,495,947 مادة متطرفة وإغلاق 1,150 قناة متطرفة، فيما جرى في الربع الرابع (أكتوبر – ديسمبر) حذف 22,206,688 مادة متطرفة وإغلاق 482 قناة استخدمتها التنظيمات المتطرفة في أنشطتها الدعائية. وبذلك يرتفع إجمالي المواد المتطرفة التي تمت إزالتها منذ بدء التعاون المشترك بين (اعتدال) و(تيليغرام) في فبراير 2022م وحتى نهاية ديسمبر 2025م إلى 258,307,577 مادة متطرفة، إضافة إلى إغلاق 19,087 قناة متطرفة. هذه الأرقام تعكس حجم التحدي الهائل والجهود المضنية المبذولة لمواجهته.

خاتمة: مسؤولية جماعية لمستقبل آمن

إن مكافحة التطرف الرقمي تتطلب نهجًا متعدد الأوجه يجمع بين التشريعات الصارمة، والتعاون الدولي، والحلول التكنولوجية المبتكرة، والتوعية المجتمعية الشاملة. يجب على الحكومات وشركات التكنولوجيا والمؤسسات التعليمية والأسر العمل معًا لحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر، وتوفير بيئة رقمية آمنة تعزز القيم الإيجابية وتنبذ الكراهية والعنف. إن المعركة ضد المتطرف الرقمي هي معركة مستمرة، تتطلب يقظة دائمة وتكيفًا مستمرًا مع التكتيكات المتغيرة لهذه الجماعات، لضمان مستقبل أكثر أمانًا واستقرارًا للجميع.

spot_imgspot_img