spot_img

ذات صلة

مفاوضات أمريكية إيرانية نووية في مسقط: إحياء الاتفاق؟

انطلقت في العاصمة العمانية مسقط جولة جديدة وحاسمة من المفاوضات النووية بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية. تمثل هذه المحادثات خطوة دبلوماسية بالغة الأهمية، كونها أول لقاء رسمي مباشر بين الطرفين منذ توقف الجولات السابقة في أعقاب التصعيد الإقليمي، وتحديداً “حرب الـ 12 يوماً” التي شنتها إسرائيل في يونيو الماضي. هذه الجولة تأتي في ظل ترقب دولي كبير، حيث تسعى الأطراف لإيجاد أرضية مشتركة قد تمهد لإحياء الاتفاق النووي الإيراني.

تعود جذور هذه المفاوضات إلى التوترات المستمرة حول البرنامج النووي الإيراني، والتي بلغت ذروتها بتوقيع الاتفاق النووي عام 2015، المعروف رسمياً بخطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA). هذا الاتفاق، الذي كان يهدف إلى تقييد الأنشطة النووية الإيرانية مقابل رفع العقوبات الدولية، تعرض لانتكاسة كبرى عام 2018 عندما انسحبت الولايات المتحدة منه بقرار من الرئيس آنذاك دونالد ترامب، وأعادت فرض عقوبات اقتصادية قاسية على طهران. رداً على ذلك، بدأت إيران تدريجياً في تقليص التزاماتها النووية، مما أثار مخاوف دولية متزايدة بشأن قدرتها على تطوير أسلحة نووية. لطالما لعبت سلطنة عُمان دوراً محورياً كوسيط موثوق به بين واشنطن وطهران، مستفيدة من علاقاتها الدبلوماسية المتوازنة مع كلا البلدين، وهو ما يجعل مسقط مكاناً مثالياً لاستضافة هذه المحادثات الحساسة.

أكد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، التزام بلاده بالنهج الدبلوماسي لحل الأزمة، لكنه شدد في الوقت ذاته على استعداد إيران للدفاع عن سيادتها وأمنها القومي ضد أي مطالب مفرطة أو مغامرات قد تهدد مصالحها الوطنية. وأعرب عراقجي، خلال لقائه بنظيره العماني، عن شكره وتقديره لسلطنة عُمان على الترتيبات الممتازة التي وفرتها لاستضافة هذه المحادثات. كما نشر على منصة X (تويتر سابقاً) تأكيداً لبدء المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة في مسقط صباح اليوم الجمعة، في إشارة إلى الأهمية التي توليها طهران لهذه الجولة.

من جانبها، أعلن البيت الأبيض عن انطلاق المحادثات في سلطنة عُمان، وذلك في أجواء مشحونة بالتوتر والتهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران. تأتي هذه الجولة بعد تصريحات مثيرة للجدل أدلى بها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، والتي لمحت إلى إمكانية توجيه ضربة عسكرية محتملة ضد إيران. وفي سياق متصل، دعت الولايات المتحدة رعاياها في إيران إلى مغادرة البلاد فوراً إلى أرمينيا أو تركيا، دون انتظار أي مساعدة حكومية أمريكية، وهو ما يعكس تصاعد حدة التوترات المصاحبة لهذه الجولة الحساسة من المفاوضات، ويبرز المخاوف الأمريكية من أي تصعيد غير متوقع.

تكتسب هذه الجولة أهمية خاصة كونها تأتي بعد خمس جولات متقطعة من المحادثات التي جرت بين روما ومسقط، والتي توقف خلالها الحوار بسبب الاحتجاجات الشعبية الداخلية في إيران وتداعيات الصراع الإسرائيلي على طهران. إن نجاح هذه المفاوضات قد يمثل نقطة تحول حاسمة نحو استقرار المنطقة، حيث يمكن أن يؤدي إلى تخفيف حدة التوترات الإقليمية والدولية، وفتح الباب أمام حلول دبلوماسية لأزمات أخرى. على الصعيد الإقليمي، قد تسهم هذه المحادثات في تقليل مخاطر التصعيد العسكري، وتوفير بيئة أكثر ملاءمة للحوار والتعاون بين دول الخليج وإيران. أما دولياً، فإن إحياء الاتفاق النووي سيُعزز نظام عدم الانتشار النووي ويُقلل من احتمالية سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط، مما يعود بالنفع على الأمن والسلم العالميين.

إن التحديات كبيرة، لكن الآمال معلقة على قدرة الدبلوماسية العمانية والجدية من الطرفين على تجاوز العقبات والوصول إلى تفاهمات تخدم مصالح الجميع وتجنب المنطقة المزيد من الاضطرابات. هذه المفاوضات ليست مجرد محادثات حول برنامج نووي، بل هي محاولة لإعادة بناء الثقة وتحديد مسار جديد للعلاقات بين قوتين إقليميتين ودوليتين محوريتين.

spot_imgspot_img