أكدت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية شبه الرسمية (إيسنا) اليوم الجمعة، انطلاق جولة جديدة من المحادثات النووية الحساسة بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة العمانية مسقط. تأتي هذه المحادثات في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والدولية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، وتمثل محاولة دبلوماسية جديدة لتهدئة الأوضاع وإيجاد حلول مستدامة.
من جانبه، شدد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على أن بلاده “جاهزة للدفاع عن سيادة البلاد وأمنها القومي في مواجهة أي مطالب مفرطة أو مغامرات أمريكية”. جاء تصريح عراقجي خلال لقائه مع وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي قبيل بدء المحادثات، حيث ناقش الوزيران أهم القضايا الثنائية والإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وفقاً لوكالة الأنباء الإيرانية (إرنا).
السياق التاريخي والدور العماني:
تعود جذور هذه المحادثات إلى تاريخ طويل من التوترات حول برنامج إيران النووي، والذي بلغ ذروته بتوقيع الاتفاق النووي عام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) بين إيران ومجموعة 5+1 (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا والاتحاد الأوروبي). إلا أن الانسحاب الأمريكي من الاتفاق في عام 2018، بقرار من إدارة الرئيس دونالد ترامب، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية المشددة على طهران، أدى إلى تدهور كبير في العلاقات وتصعيد غير مسبوق في المنطقة. لطالما لعبت سلطنة عمان دوراً محورياً كوسيط محايد وموثوق به في تسهيل الحوار بين الأطراف المتنازعة، مستفيدة من علاقاتها الجيدة مع كل من واشنطن وطهران. هذه المحادثات في مسقط ليست الأولى من نوعها، وتؤكد على استمرار الجهود الدبلوماسية العمانية لفتح قنوات الاتصال.
دبلوماسية الحلول في مواجهة التحديات:
أوضح عراقجي أن “إيران تستخدم الدبلوماسية للدفاع عن مصالحها الوطنية”، لكنه لم يستبعد الخيار العسكري الذي لوح به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وفي منشور على حسابه بمنصة “إكس” (تويتر سابقاً)، كتب عراقجي: “إيران تدخل المسار الدبلوماسي بعينين مفتوحتين وذاكرة حاضرة لما شهدته العام الماضي”، مضيفاً: “نحن ننخرط بحسن نية بينما نتمسك في الوقت نفسه بحقوقنا بثبات”. وشدد الوزير الإيراني على ضرورة احترام الالتزامات، معتبراً أن التكافؤ في المكانة، والاحترام المتبادل، والمصلحة المشتركة ليست شعارات، بل ضروريات وأسس لا غنى عنها لأي اتفاق مستدام.
الموقف الأمريكي بين الدبلوماسية والتهديد:
تسعى واشنطن إلى إحراز تقدم دبلوماسي في الملف النووي الإيراني دون استبعاد العمل العسكري، رغم أن إيران تطالب بجدية في المحادثات. وفي هذا الصدد، كتب المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، على منصة “إكس”: “تقع علينا (في الحكومة الإيرانية) مسؤولية اغتنام كل الفرص الدبلوماسية من أجل الحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة”، معرباً عن أمله في أن يشارك الجانب الأمريكي أيضاً بمسؤولية وواقعية وجدية في المحادثات.
من جانبها، صرحت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، للصحفيين بأن الدبلوماسية هي دائماً الخيار الأول للرئيس ترامب عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع دول العالم، سواء كانت حلفاء أو خصوماً. وأوضحت أن موقف ترامب يتمثل في الإصرار على الوقف الكامل للقدرات النووية الإيرانية. وأشارت إلى أن ترامب يرغب في معرفة ما إذا كان من الممكن التوصل إلى اتفاق خلال هذه المفاوضات، مؤكدة: “أود أن أذكر النظام الإيراني بأن الرئيس لديه العديد من الخيارات المتاحة، إلى جانب الدبلوماسية، بصفته القائد الأعلى لأقوى جيش في تاريخ العالم”.
تأثير المحادثات على المنطقة والعالم:
إن نجاح أو فشل هذه المحادثات في مسقط يحمل تداعيات كبيرة على المستويين الإقليمي والدولي. إقليمياً، يمكن أن يؤدي التوصل إلى تفاهم إلى تخفيف حدة التوترات في الخليج العربي، مما ينعكس إيجاباً على أمن الملاحة الدولية واستقرار أسواق الطاقة العالمية. كما قد يفتح الباب أمام حوار أوسع بين إيران ودول الجوار، مما يساهم في بناء الثقة وتقليل مخاطر الصراعات بالوكالة. أما دولياً، فالمفاوضات تمثل اختباراً لقدرة الدبلوماسية على حل النزاعات المعقدة، وتأكيداً على مبدأ عدم الانتشار النووي. فشل المحادثات، على النقيض، قد يدفع المنطقة نحو مزيد من التصعيد، مع ما لذلك من عواقب وخيمة على الأمن والسلم العالميين.
وقد وصل وفدا المفاوضات الأمريكي والإيراني، برئاسة المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إلى سلطنة عمان. وأكد مسؤول بارز في الإدارة الأمريكية أن ويتكوف وجاريد كوشنر، صهر الرئيس دونالد ترامب، سيشاركان في المحادثات. فيما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن قائد القيادة المركزية الأمريكية سينضم إلى المفاوضات مع إيران في مسقط، مما يشير إلى مستوى الأهمية والجدية التي توليها واشنطن لهذه الجولة من الحوار.


