تواصل المملكة العربية السعودية مسيرتها الطموحة نحو تحقيق أهداف رؤية 2030، التي ترتكز على تنويع الاقتصاد وتمكين الكوادر الوطنية. وفي إطار هذه الجهود المتواصلة، أعلنت منصة “جدارات” هذا الأسبوع عن طرح 7951 فرصة وظيفية جديدة للسعوديين، وهو ما يمثل دفعة قوية لسوق العمل المحلي ويعكس الديناميكية المتزايدة التي يشهدها الاقتصاد السعودي. هذه الفرص تتوزع بين 108 وظائف حكومية تعاقدية، و17 وظيفة في الجهات شبه الحكومية، بالإضافة إلى 7826 فرصة في القطاع الخاص، مما يؤكد التزام الدولة بتوفير مسارات مهنية متنوعة ومستقبل واعد لأبنائها وبناتها.
السياق العام والخلفية التاريخية:
لطالما كان توطين الوظائف وتمكين الشباب السعودي من أولويات المملكة. فقبل إطلاق رؤية 2030، كانت هناك تحديات تتعلق بمواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، وارتفاع نسبة الاعتماد على العمالة الوافدة في بعض القطاعات. جاءت رؤية 2030 لتعالج هذه التحديات بشكل جذري، من خلال برامج مثل برنامج التحول الوطني وبرنامج تنمية القدرات البشرية، التي تهدف إلى بناء اقتصاد مزدهر ومجتمع حيوي. منصة “جدارات” (التي جاءت لتطوير وتوحيد جهود منصات التوظيف الحكومية السابقة مثل “جدارة” و”ساعد”) تمثل حجر الزاوية في هذه الاستراتيجية، حيث تعمل كجسر يربط بين الباحثين عن عمل والفرص المتاحة في مختلف القطاعات، مع التركيز على الكفاءة والشفافية. هذا العدد الكبير من الوظائف يعكس ثمار هذه الجهود المستمرة في بناء سوق عمل مستدام ومرن.
108 وظائف حكومية: تعزيز القطاعات الحيوية
تركزت الوظائف الحكومية الجديدة بشكل كبير في قطاعات حيوية مثل الصحة، والنقل، واللوجستيات، وتقنية المعلومات. هذه القطاعات تعد ركيزة أساسية لتحقيق أهداف الرؤية، خاصة مع المشاريع الضخمة الجارية مثل نيوم، ومشروع البحر الأحمر، والقدية، التي تتطلب بنية تحتية قوية وكوادر مؤهلة. وقد توزعت هذه الوظائف عبر عدة وزارات وهيئات استراتيجية، أبرزها:
- وزارة النقل والخدمات اللوجستية: طرحت وظائف عليا واستشارية مثل مستشار أداء، ومدير إدارة مشاريع، ومستشار اقتصادي. هذه الأدوار حاسمة لدعم تطوير الاستراتيجيات الوطنية ومتابعة تنفيذ المبادرات التي تهدف لتحويل المملكة إلى مركز لوجستي عالمي.
- الخدمات الطبية بوزارة الداخلية: استحوذت على أكبر عدد من الوظائف الصحية، وشملت أخصائيي تمريض، وأطباء مقيمين، وأخصائي أشعة، وفني سجلات طبية، ومساعدي أطباء أسنان. هذا التركيز يؤكد استمرار الطلب على الكوادر الطبية لتعزيز جودة الرعاية الصحية المقدمة للمواطنين والمقيمين في مدن مثل الطائف، مكة، جدة، جيزان، وعرعر.
- وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات: قدمت وظائف إدارية عليا مثل مدير قسم تفعيل الشراكات وخبير تعاون دولي، لدعم مسيرة التحول الرقمي الشامل في المملكة وتعزيز التعاون الدولي في مجالات التقنية والابتكار.
- الإدارة العامة للخدمات الطبية للقوات المسلحة: أعلنت عن حاجتها لأخصائيي تمريض واستشاريين طبيين في الدمام والظهران، مما يسهم في رفع مستوى الخدمات الصحية المقدمة لمنسوبي القوات المسلحة.
وقد برزت الرياض كمركز للوظائف الاستراتيجية، بينما تصدرت جدة ومكة المكرمة الوظائف الصحية، مع توزيع واسع للوظائف الإدارية والصحية في الخرج، والباحة، ونجران، والهفوف، وعرعر، والقريات، والطائف، وحائل، وتبوك، وجيزان، والمدينة المنورة. ومن أبرز التخصصات المطلوبة: الصحي (أطباء عامون، أخصائي تمريض، صيدلي)، والإدارية والاستشارية (مستشار استراتيجيات، مدير إدارة مشاريع)، والتقنية (خبير تصميم قاعدة بيانات، أخصائي ذكاء أعمال). ويُلاحظ أن أكثر من 50% من الوظائف الحكومية تركز على القطاع الصحي، مما يعكس الأولوية القصوى التي توليها الدولة لتعزيز هذا القطاع الحيوي.
17 وظيفة قيادية واستشارية شبه حكومية: دفع عجلة التنمية
شهدت المنصة طرح 17 وظيفة في الجهات شبه الحكومية بمسميات قيادية واستشارية، تتطلب خبرات متقدمة في الإدارة، والمالية، والتقنية، وتطوير الأعمال. هذه الوظائف تهدف إلى تعزيز الكفاءة المؤسسية ودعم التوسع الاستراتيجي لهذه الجهات التي تلعب دوراً محورياً في تحقيق أهداف الرؤية. من أبرز هذه الفرص:
- مستشار مالي في بنك التصدير والاستيراد السعودي بالرياض: لدعم النمو الاقتصادي من خلال تقديم الاستشارات المالية ومراجعة الحسابات.
- مدير قسم إجراءات العمل بالمركز الوطني لنظم الموارد الحكومية: لتحسين كفاءة العمليات الحكومية.
- مدير عام الشراكات والاتصال المؤسسي بالمركز الوطني لكفاءة وترشيد المياه “مائي”: لتعزيز الاستدامة المائية في المملكة.
- مفتش سلامة التشغيل الجوي بالهيئة العامة للطيران المدني: لضمان أعلى معايير السلامة في قطاع الطيران المزدهر.
هذه الوظائف العليا، التي شملت رؤساء قطاعات ومديرين تنفيذيين ومستشارين لتطوير المناطق الاقتصادية الخاصة، تؤكد التوجه نحو استقطاب الكفاءات لقيادة المشاريع والمبادرات الكبرى.
7826 فرصة في القطاع الخاص: محرك النمو الاقتصادي
على الجانب الآخر، تتيح منصة “جدارات” آلاف الفرص في القطاع الخاص، وهو المحرك الأكبر للنمو الاقتصادي وتوليد الوظائف. تشمل هذه الفرص مجالات متنوعة مثل التقنية، والإدارة، والمبيعات، والتسويق، والموارد البشرية، مما يفتح آفاقاً واسعة للباحثين عن عمل من حديثي التخرج وذوي الخبرة على حد سواء. يشير توزع هذه الفرص في جميع مناطق المملكة إلى:
- تنوع الفرص والمسارات المهنية: من الوظائف التشغيلية إلى القيادية، مما يوفر خيارات واسعة للنمو والتطور المهني.
- تركيز على الكوادر الوطنية: فأغلب الوظائف تستهدف السعوديين، بما يتوافق مع أهداف رؤية 2030 لتوطين الوظائف وزيادة مساهمة المواطنين في سوق العمل.
- تعزيز التطوير المؤسسي والاقتصادي: خصوصاً في القطاع شبه الحكومي والوظائف الحكومية الاستراتيجية، مما يدعم بناء اقتصاد قوي ومتنوع.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع:
هذه الدفعة الكبيرة من الوظائف لها تأثيرات إيجابية متعددة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
- محلياً: ستسهم في خفض معدلات البطالة، وتمكين الشباب السعودي، وتنمية المهارات الوطنية، وزيادة مساهمة المواطنين في الناتج المحلي الإجمالي. كما أنها تعزز الثقة في الاقتصاد السعودي وتجذب المزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية، مما يخلق دورة إيجابية من النمو والتوظيف.
- إقليمياً: تعزز المملكة مكانتها كقوة اقتصادية رائدة في المنطقة، وتوفر نموذجاً يحتذى به في إصلاح سوق العمل وتنمية رأس المال البشري. يمكن أن تلهم هذه المبادرات دولاً أخرى في المنطقة لتبني استراتيجيات مماثلة لتمكين مواطنيها.
- دولياً: تعكس هذه الخطوات التزام المملكة بتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتظهر قدرتها على التكيف والابتكار في مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية. كما أنها تعزز جاذبية المملكة كوجهة للاستثمار الأجنبي المباشر، حيث تتوفر قوة عاملة محلية مؤهلة ومدعومة ببرامج حكومية طموحة.
نصائح للباحثين عن عمل:
في ظل هذه الديناميكية غير المسبوقة في سوق العمل السعودي، يُنصح الباحثون عن عمل بما يلي:
- متابعة منصة “جدارات” أسبوعياً: لمواكبة الفرص المتجددة التي تُطرح باستمرار.
- تحديث السيرة الذاتية بانتظام: وربط المهارات والخبرات بالوظائف المعلنة لزيادة فرص الحصول على مقابلات مباشرة.
- التركيز على التخصصات المطلوبة: خاصة في الصحة، والإدارة، والتقنية، واللوجستيات، حيث يتركز الطلب الأكبر.
هذا الأسبوع، أظهر السوق السعودي حيوية استثنائية في التوظيف، والفرصة متاحة لمن يسعى ويستعد لاقتناص وظيفة تحقق له مستقبلاً مستقراً ومميزاً ضمن المشاريع الوطنية الطموحة.


