أعلنت سلطنة عمان، عبر وزارة خارجيتها، أن المشاورات الأخيرة التي استضافتها مسقط بين الوفدين الإيراني والأمريكي، ركزت على تهيئة الظروف المناسبة لاستئناف المفاوضات الدبلوماسية والفنية. هذا التطور الدبلوماسي المهم يؤكد الدور المحوري الذي تلعبه السلطنة في تسهيل الحوار بين الأطراف الإقليمية والدولية، ويسلط الضوء على جهودها المستمرة لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة.
وذكرت وكالة الأنباء العمانية أن هذه المشاورات، التي تأتي في إطار استضافة سلطنة عمان لمحادثات حول الملف النووي الإيراني، شهدت لقاءات منفصلة. فقد أجرى وزير الخارجية العماني، بدر بن حمد البوسعيدي، مشاورات مع الوفد الإيراني برئاسة وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان، ومع الوفد الأمريكي برئاسة المبعوثين الخاصين ستيفن ويتكوف وجاريد كوشنر. وقد أكدت هذه اللقاءات على أهمية تهيئة الأجواء الإيجابية لاستئناف المفاوضات، مع التشديد على ضرورة نجاحها لتحقيق استدامة الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
تأتي هذه الجهود الدبلوماسية في سياق تاريخي طويل من التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تفاقمت بشكل خاص بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) عام 2018 وإعادة فرض العقوبات. لطالما لعبت سلطنة عمان دور الوسيط الموثوق والحيادي في هذه العلاقة المعقدة، حيث استضافت محادثات سرية مهدت الطريق للاتفاق النووي الأصلي في عام 2015. هذا السجل الحافل بالنجاحات الدبلوماسية يمنح مسقط مصداقية فريدة في مساعيها الحالية لتقريب وجهات النظر.
إن التركيز على «تهيئة الظروف المناسبة» يشير إلى أن الهدف الفوري ليس التوصل إلى اتفاق شامل، بل بناء الثقة الكافية ووضع إطار عمل للمحادثات المستقبلية الأكثر جوهرية. تتضمن هذه المرحلة التحضيرية عادةً توضيح النوايا، ومعالجة المخاوف الأولية، وربما تحديد جدول أعمال للمفاوضات المباشرة أو غير المباشرة. يُعد النجاح في هذه المرحلة أمرًا حيويًا لتمهيد الطريق لأي تقدم ملموس بشأن الملف النووي الأوسع والقضايا الخلافية الأخرى.
إن استئناف المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة يحمل أهمية قصوى للأمن الإقليمي والعالمي. فمن شأن تخفيف التوترات بين طهران وواشنطن أن يقلل بشكل كبير من مخاطر الصراع في منطقة الشرق الأوسط، التي تُعد حيوية لإمدادات الطاقة العالمية. كما يمكن أن يفتح الباب أمام معالجة تحديات أمنية إقليمية أخرى، مثل الصراعات في اليمن وسوريا، حيث يمتلك الطرفان نفوذًا كبيرًا. علاوة على ذلك، فإن إحراز تقدم في الاتفاق النووي من شأنه أن يخفف المخاوف بشأن الانتشار النووي، مما يسهم في تعزيز الأمن الدولي.
من جانب آخر، أشارت وكالة «رويترز» نقلًا عن مصدر دبلوماسي إيراني، إلى أن وجود مسؤولين عسكريين من القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، أو أي قيادة عسكرية إقليمية أخرى، قد يهدد المحادثات النووية غير المباشرة بين إيران وأمريكا في عمان. جاء ذلك بعد أن نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤول أمريكي قوله إن الوفد الأمريكي في المفاوضات يضم قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر. هذه الحساسية تسلط الضوء على عمق انعدام الثقة بين الجانبين، وتؤكد على الطبيعة الدقيقة لهذه المشاورات والحاجة إلى مناورات دبلوماسية حذرة من جميع الأطراف.
وقد جدد وزير الخارجية العماني التزام سلطنة عمان بمواصلة دعم الحوار والتقريب بين الأطراف، والعمل مع مختلف الشركاء للتوصل إلى حلول سياسية توافقية تلبي الأهداف والتطلعات المرجوة. ويعكس هذا الموقف الثابت إيمان عمان الراسخ بأن الحوار هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام والاستقرار الدائمين في المنطقة والعالم، معربًا عن تقديره الكبير لجهود دول المنطقة الداعمة لهذه المحادثات.


