وسط إجراءات أمنية مشددة، تم اليوم (الجمعة) تشييع نجل سيف الإسلام القذافي في مدينة بني وليد جنوب العاصمة الليبية طرابلس. هذا الحدث، الذي يخص أحد أفراد عائلة القذافي، يأتي في سياق ليبي معقد ومضطرب، حيث لا تزال البلاد تسعى جاهدة لتحقيق الاستقرار بعد سنوات من الصراعات والانقسامات.
وقد حرصت الأجهزة الأمنية على منع رفع صور أو أي شعارات مرتبطة بالفقيد أو التعبير العلني عن الحزن، في خطوة تعكس الحساسية البالغة لأي تجمعات أو فعاليات قد تحمل دلالات سياسية في المشهد الليبي الراهن.
وفي تصريح لافت، أكد عبدالله عثمان، رئيس الفريق السياسي لسيف الإسلام القذافي، أن عددًا من الأطراف المستفيدة من قبل سيف الإسلام تعرب عن ثقتها بالقضاء الليبي. وأضاف عثمان: «نعتقد أن القضاء الليبي قادر على الوصول للجناة، وقادر على كشف ملابسات الجريمة، ولكن إذا لم يحدث، وإذا خضع لتأثيرات أخرى، فتنتهي ولاية القضاء المحلي، وربما يتم التفكير (بالتحقيق الدولي)، لكن سيف الإسلام، عندما كان حياً، لم يكن مؤمناً بدور للقضاء الدولي، كان دائماً عنده قناعة تامة بالقضاء الليبي».
كما ذكر رئيس الفريق الحقوقي أن الذين منعوا سيف الإسلام من الانتخابات النيابية والرئاسية في 2021، هم الأطراف المستفيدة، أو الراغبة في تغييب سيف الإسلام. وأوضح أن هذه الأطراف تنقسم بين من يرفض الشعبية المتنامية لسيف، ومن هو حنين للنظام السابق، ومن هو مقتنع بالنظام السابق، ومنهم من سيصوت تصويتاً عقابياً، بسبب فشل السياسات الحالية التي أدت لتقسيم المؤسسات.
وشدد الفريق الحقوقي لسيف الإسلام القذافي على أنه لا يعتد بأي اتهامات لا تستند لتحقيق قضائي، رافضاً ربط العهد العجمي بالجريمة، معتبراً أنه ادعاء باطل. واعتبر الفريق الحقوقي إطلاق اتهامات دون أدلة قاطعة هو إخلال خطير.
تُعد بني وليد، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 100 ألف نسمة، معقلًا لقبيلة ورفلة، وهي إحدى القبائل الليبية الكبرى التي لا تزال تُحيي ذكرى معمر القذافي منذ الإطاحة به عام 2011، مما يضفي على أي حدث يتعلق بعائلته بعدًا خاصًا وحساسًا في هذه المنطقة.
السياق التاريخي والسياسي للحدث
لفهم دلالات هذا التشييع، من الضروري استعراض الخلفية التاريخية والسياسية في ليبيا. حكم معمر القذافي البلاد لأكثر من أربعة عقود (1969-2011) بنظام “الجماهيرية”، الذي شهد فترات من الاستقرار النسبي والتنمية، لكنه اتسم أيضاً بالقبضة الأمنية وغياب الحريات. برز سيف الإسلام القذافي، نجل الزعيم الراحل، في السنوات الأخيرة من حكم والده كشخصية إصلاحية محتملة، قبل أن ينخرط في قمع الانتفاضة الشعبية التي اندلعت عام 2011. تلك الانتفاضة، بدعم من تدخل حلف الناتو، أدت إلى سقوط نظام القذافي ومقتله، ودخول ليبيا في دوامة من الفوضى والصراع المسلح.
بعد الإطاحة بالنظام، شهدت ليبيا سنوات من الانقسامات السياسية والصراعات المسلحة بين فصائل مختلفة، وتشكيل حكومات متنافسة، وتدخلات أجنبية متعددة. تم القبض على سيف الإسلام القذافي في أواخر عام 2011، وحوكم في ليبيا وصدرت بحقه أحكام، قبل أن يتم الإفراج عنه لاحقًا بموجب عفو. عاد ليظهر على الساحة السياسية في عام 2021 معلنًا ترشحه للانتخابات الرئاسية، مما أثار جدلاً واسعًا بسبب ماضيه ومذكرة التوقيف الدولية الصادرة بحقه من المحكمة الجنائية الدولية.
أهمية الحدث وتأثيره المحتمل
إن تشييع نجل سيف الإسلام القذافي، وإن كان حدثًا عائليًا في ظاهره، يحمل دلالات سياسية عميقة في المشهد الليبي المعقد. فهو يؤكد على استمرار إرث عائلة القذافي وحضور مشاعر الولاء للنظام السابق، خاصة في معاقل مثل بني وليد. الإجراءات الأمنية المشددة التي رافقت التشييع تعكس قلق السلطات من تحول أي تجمع إلى منصة للتعبير عن هذه المشاعر أو تحدٍ للاستقرار الهش في البلاد.
تصريحات عبدالله عثمان، رئيس الفريق السياسي لسيف الإسلام، تسلط الضوء على الجدل المستمر حول العدالة والمساءلة ودور القضاء الليبي في مرحلة ما بعد القذافي. كما أنها تشير إلى التحديات التي تواجه المصالحة الوطنية في ليبيا، حيث لا تزال القضايا العالقة من ثورة 2011 تلقي بظلالها على المستقبل. هذا الحدث يذكر بالانقسامات السياسية العميقة التي تعيق تقدم ليبيا نحو دولة موحدة ومستقرة، حيث تتنافس الفصائل المختلفة على النفوذ والسلطة، مستخدمة في كثير من الأحيان الولاءات التاريخية أو المظالم القديمة. على الصعيد الإقليمي والدولي، تُراقب مثل هذه الأحداث كمؤشرات على الاستقرار الداخلي لليبيا، الذي له تداعيات أوسع على منطقة شمال إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط.


