spot_img

ذات صلة

ضم الصين لاتفاقية التسلح النووي: تحديات الأمن العالمي

أكد وزير الخارجية الأمريكي على ضرورة توسيع نطاق اتفاقيات الحد من التسلح النووي لتشمل ليس فقط روسيا، بل والصين أيضاً. تأتي هذه المطالبة في سياق تحولات جيوسياسية عميقة، حيث لم تعد قضية التسلح النووي تقتصر على القوتين العظميين التقليديتين، الولايات المتحدة وروسيا، بل أصبحت تتطلب مقاربة ثلاثية الأطراف أو حتى متعددة الأطراف لضمان الاستقرار العالمي.

تاريخياً، ارتبطت جهود الحد من التسلح النووي بشكل وثيق بفترة الحرب الباردة، حيث سعت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي (وروسيا لاحقاً) إلى إدارة ترساناتهما الهائلة من خلال سلسلة من المعاهدات الثنائية مثل معاهدات سالت (SALT) وستارت (START). كان الهدف الأساسي من هذه الاتفاقيات هو تقليل مخاطر المواجهة النووية والحفاظ على توازن استراتيجي يمنع أي طرف من تحقيق تفوق حاسم. تُعد معاهدة “نيو ستارت” (New START)، التي وُقعت عام 2010 ودخلت حيز التنفيذ عام 2011، آخر اتفاقية رئيسية متبقية للحد من الأسلحة الاستراتيجية الهجومية بين واشنطن وموسكو. ومع ذلك، فإن هذه المعاهدة، كسابقتها، تقتصر على الأسلحة الاستراتيجية ولا تشمل الأسلحة النووية التكتيكية، والأهم من ذلك، أنها لا تضم القوى النووية الأخرى الصاعدة.

تُعرب الولايات المتحدة عن قلقها المتزايد إزاء التوسع السريع للقدرات النووية الصينية. فقد أشارت تقارير أمريكية إلى أن عدد الرؤوس النووية لدى الصين قد تضاعف من حوالي 200 إلى 600 رأس نووي، مع توقعات بأن يصل هذا العدد إلى حوالي 1000 رأس بحلول عام 2030. هذا النمو المتسارع، الذي يفتقر إلى الشفافية، يثير مخاوف جدية بشأن الاستقرار الإقليمي والدولي. ترى واشنطن أن هذا التوسع يجعل معاهدة “نيو ستارت” الثنائية عتيقة وغير قادرة على معالجة التحديات الأمنية الراهنة بفعالية، مؤكدة أن المفاوضات الثنائية التقليدية قد تستغرق وقتاً طويلاً دون تحقيق النتائج المرجوة في ظل المشهد النووي المتغير.

من هذا المنطلق، ترى الإدارة الأمريكية أن الرئيس دونالد ترامب كان يطمح إلى إبرام معاهدة جديدة وأكثر شمولاً تتجاوز حدود الاتفاقيات السابقة، معتبراً أن المعاهدات القديمة “معيبة” لعدم شمولها جميع أنواع الأسلحة النووية وعدم إدراجها للصين. هذا الموقف يعكس تحولاً في الفلسفة الأمريكية تجاه الحد من التسلح، من التركيز على التوازن الثنائي إلى السعي نحو إطار أوسع يشمل جميع اللاعبين الرئيسيين.

تكتسب هذه المطالبة أهمية بالغة وتأثيراً متوقعاً على عدة مستويات. على الصعيد الدولي، فإن إدراج الصين في اتفاقية للحد من التسلح النووي سيمثل خطوة محورية نحو تعزيز نظام عدم الانتشار النووي وتحقيق استقرار استراتيجي أكبر في عالم متعدد الأقطاب. فغياب الشفافية والقيود على ترسانة الصين يمكن أن يشجع دولاً أخرى على تطوير أو توسيع برامجها النووية، مما يزيد من مخاطر الانتشار. أما على الصعيد الإقليمي، فإن نمو القوة النووية الصينية يؤثر بشكل مباشر على موازين القوى في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ويثير قلق جيرانها وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.

في المقابل، أعلن الكرملين في وقت سابق أن روسيا والولايات المتحدة اتفقتا على ضرورة استئناف المحادثات النووية بينهما، خاصة بعد انتهاء صلاحية معاهدات أخرى للحد من الترسانات. وقد صرح المتحدث باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف، بأن هناك “تفاهم” بين الجانبين، وعليهما التصرف بمسؤولية والاعتراف بضرورة بدء المفاوضات بشأن هذه المسألة في أقرب وقت. ومع ذلك، فإن روسيا كانت تاريخياً مترددة في ربط مفاوضاتها مع الولايات المتحدة بإدراج الصين، مفضلة الحفاظ على الإطار الثنائي لمعاهدة “نيو ستارت” أو أي اتفاقية لاحقة، بينما تصر على أن الصين يجب أن تتخذ قرارها الخاص بشأن الانضمام إلى أي محادثات.

إن التحدي الأكبر يكمن في إقناع الصين بالانضمام إلى مثل هذه المفاوضات. فقد دأبت بكين على التأكيد أن ترسانتها النووية أصغر بكثير من ترسانتي الولايات المتحدة وروسيا، وأنها تهدف فقط إلى “الحد الأدنى من الردع”، وبالتالي لا ترى ضرورة للانضمام إلى اتفاقيات تحد من قدراتها. ومع ذلك، فإن الضغط الدولي المتزايد، خاصة من الولايات المتحدة، قد يدفع نحو إعادة تقييم هذا الموقف في المستقبل، مما يجعل قضية الحد من التسلح النووي في القرن الحادي والعشرين أكثر تعقيداً وتطلباً لمقاربات دبلوماسية مبتكرة.

spot_imgspot_img