
في تحول اقتصادي لافت خالف تقديرات المحللين، سجل الاقتصاد الكندي وتيرة نمو أسرع بكثير مما كان متوقعاً خلال الربع الثالث من عام 2025. وجاء هذا الأداء القوي مدفوعاً بشكل رئيسي بانتعاش صادرات النفط وزيادة الإنفاق الحكومي، مما شكل طوق نجاة للناتج المحلي الإجمالي في وقت تعاني فيه قطاعات أخرى من ضغوطات واضحة.
وأظهرت البيانات الرسمية التي أصدرتها هيئة الإحصاء الكندية يوم الجمعة، أن معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي بلغ 2.6% خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في سبتمبر، وهو رقم يتجاوز بشكل كبير متوسط توقعات الاقتصاديين التي كانت تحوم حول 0.5% فقط. وتكتسب هذه القفزة أهمية خاصة نظراً لأنها تأتي بعد تعديل قراءة الربع الثاني بالخفض، لتظهر انكماشاً بنسبة 1.8%، مما يشير إلى تذبذب حاد في الأداء الاقتصادي بين ربع وآخر.
محركات النمو وسط التحديات
يعكس هذا النمو الاعتماد المستمر للاقتصاد الكندي على قطاع الطاقة، حيث لعبت صادرات النفط دوراً محورياً في تعزيز الميزان التجاري ودعم الخزينة العامة. وتعتبر كندا من كبار مصدري الطاقة عالمياً، وغالباً ما تتأثر مؤشراتها الاقتصادية بتقلبات أسواق الطاقة العالمية والطلب الخارجي. وبالتوازي مع ذلك، ساهم الإنفاق الحكومي في سد الفجوة التي خلفها تراجع القطاع الخاص، حيث عملت النفقات العامة كمحفز للنشاط الاقتصادي في ظل بيئة استثمارية حذرة.
تأثير المخاوف التجارية مع الولايات المتحدة
على الجانب الآخر، كشفت البيانات عن نقاط ضعف هيكلية لا يمكن تجاهلها؛ فقد تراجعت الاستثمارات التجارية واستهلاك الأسر، وهما محركان أساسيان للنمو المستدام. ويرجع المحللون هذا التراجع إلى حالة “عدم اليقين” المستمرة بشأن السياسات التجارية الأمريكية والتهديدات بفرض تعريفات جمركية جديدة. ونظراً لأن الولايات المتحدة هي الشريك التجاري الأكبر لكندا، فإن أي توتر في العلاقات التجارية أو تلويح بحمائية اقتصادية يدفع الشركات الكندية إلى تجميد خطط التوسع، ويدفع المستهلكين إلى تقليص نفقاتهم تحسباً لأي صدمات مستقبلية.
توقعات السياسة النقدية والمراجعات القادمة
يضع هذا التقرير بنك كندا المركزي أمام معضلة معقدة؛ فبينما يشير رقم النمو الكلي (2.6%) إلى تعافي الاقتصاد، فإن تفاصيل التقرير التي تظهر ضعف الطلب المحلي (الاستهلاك والاستثمار) قد تستدعي الحذر. وقد تؤثر هذه البيانات المختلطة على قرارات الفائدة المستقبلية، حيث يسعى البنك المركزي لتحقيق توازن بين دعم النمو وكبح أي ضغوط تضخمية محتملة.
وأشارت هيئة الإحصاء الكندية إلى أن قراءة الربع الثالث قد تخضع لمراجعة أكبر من المعتاد في فبراير القادم، مما يعني أن الصورة النهائية لأداء الاقتصاد في 2025 لم تكتمل بعد، وأن الأسواق ستظل تترقب البيانات المنقحة لتحديد الاتجاه العام للاقتصاد الكندي في ظل المتغيرات العالمية المتسارعة.


