spot_img

ذات صلة

أسعار منازل بريطانيا تسجل ارتفاعاً قياسياً: تحليل الأسباب والتأثير

كشفت مؤسسة «هاليفاكس» للرهون العقارية في بريطانيا عن ارتفاع قياسي في أسعار المنازل بالبلاد خلال شهر يناير الماضي، في مؤشر واضح على عودة قوية للطلب العقاري. يأتي هذا الانتعاش بعد فترة من الترقب، مدفوعاً بتحسن التوقعات الاقتصادية وتأثير الإعلانات الحكومية المتعلقة بالسياسات المالية. ووفقاً لوكالة أنباء «بلومبرغ»، فإن هذه البيانات تعكس تحولاً إيجابياً في السوق.

وأفادت «هاليفاكس» بأن متوسط سعر المنزل ارتفع بنسبة 0.7% في الشهر الماضي، ليصل إلى مستوى قياسي جديد بلغ 300,077 جنيهاً إسترلينياً (ما يعادل حوالي 407 آلاف دولار أمريكي). ويعد هذا الارتفاع تجاوزاً لمعدل التراجع الذي سجله الشهر الذي سبقه، والذي بلغ 0.6%. ويأتي هذا الصعود بعد شهرين متتاليين من الانخفاض في متوسط الأسعار، ويمثل أسرع وتيرة للزيادة منذ شهر نوفمبر 2023، مما يشير إلى زخم متزايد في السوق.

لفهم هذا الارتفاع، من الضروري استعراض السياق التاريخي للسوق العقاري البريطاني. شهدت بريطانيا خلال السنوات القليلة الماضية تقلبات كبيرة في أسعار المنازل. فبعد فترة من النمو القوي المدفوع بأسعار الفائدة المنخفضة والإعفاءات الضريبية خلال جائحة كوفيد-19، بدأ السوق يتباطأ بشكل ملحوظ في عام 2023. كان هذا التباطؤ نتيجة مباشرة لارتفاع معدلات التضخم، مما دفع بنك إنجلترا إلى رفع أسعار الفائدة بشكل متكرر لمكافحة التضخم. أدت هذه الزيادات إلى ارتفاع تكاليف الرهن العقاري، مما قلل من القدرة الشرائية للمشترين وأثر سلباً على ثقة المستهلكين والمستثمرين في القطاع العقاري.

إن عودة الطلب العقاري في يناير الماضي تحمل أهمية كبيرة على الصعيدين المحلي والوطني. محلياً، يمكن أن يشير هذا الارتفاع إلى تجدد الثقة بين المشترين والبائعين، مما قد يحفز المزيد من النشاط في السوق. بالنسبة للمشترين لأول مرة، قد يعني هذا استمرار تحديات القدرة على تحمل التكاليف، بينما قد يجد أصحاب المنازل الحاليون أن قيمة ممتلكاتهم تتزايد. كما أن انتعاش السوق العقاري غالباً ما يؤثر على سوق الإيجارات، حيث يمكن أن يؤدي ارتفاع أسعار العقارات إلى زيادة الضغط على الإيجارات.

على الصعيد الاقتصادي الأوسع، يعتبر سوق الإسكان مؤشراً حيوياً للصحة الاقتصادية العامة للبلاد. فالنشاط في هذا القطاع يساهم في النمو الاقتصادي من خلال قطاعات البناء، وتجارة التجزئة المرتبطة بالأثاث والتجهيزات المنزلية، والخدمات المالية. كما أن ارتفاع أسعار المنازل يمكن أن يخلق ما يُعرف بـ«تأثير الثروة»، حيث يشعر أصحاب المنازل بالثراء، مما قد يدفعهم إلى زيادة الإنفاق الاستهلاكي، وبالتالي دعم الاقتصاد ككل. ومع ذلك، يجب على بنك إنجلترا مراقبة هذا الانتعاش عن كثب، حيث أن ارتفاع الأسعار بشكل مفرط قد يغذي التضخم، مما قد يؤثر على قراراته المستقبلية بشأن أسعار الفائدة.

تُعكس هذه البيانات تحسناً في سوق العقارات البريطاني بعد تراجع أوضاعه في عام 2023. وبينما يمثل هذا الارتفاع في يناير إشارة إيجابية، فإن استدامة هذا الزخم ستعتمد على عدة عوامل، بما في ذلك مسار التضخم، واستقرار أسعار الفائدة، ومعدلات التوظيف، وثقة المستهلكين. ومع اقتراب موعد الانتخابات العامة في بريطانيا، قد تلعب السياسات الحكومية المستقبلية دوراً حاسماً في تشكيل مسار السوق العقاري خلال الأشهر والسنوات القادمة. يبقى التحدي في تحقيق توازن بين دعم النمو وضمان القدرة على تحمل التكاليف لجميع شرائح المجتمع.

spot_imgspot_img