رفضت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) مقترحاً لتسوية قضية تفجير المدمرة «يو إس إس كول» (USS Cole)، وهو ما يمهد الطريق لبدء أول محاكمة قد تفضي إلى عقوبة الإعدام في خليج غوانتانامو هذا الصيف. هذا القرار الحاسم، الذي أوردته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، يرفض اتفاقاً كان سيشمل إقرار المتهم بالذنب وعقوبة السجن مدى الحياة، مما يؤكد عزم الإدارة الأمريكية على المضي قدماً في مسار قضائي طويل ومعقد.
المتهم الرئيسي في هذه القضية هو عبد الرحيم الناشري، البالغ من العمر 61 عاماً، والذي يُزعم أنه العقل المدبر للهجوم الذي وقع في ميناء عدن باليمن في 12 أكتوبر 2000. أسفر الهجوم عن مقتل 17 بحاراً أمريكياً وإصابة العشرات، في حادثة هزت الأوساط العسكرية والأمنية الأمريكية. وقد نفذ الهجوم انتحاريان تابعان لتنظيم القاعدة، استخدما زورقاً صغيراً محملاً بالمتفجرات لاستهداف المدمرة أثناء توقفها للتزود بالوقود.
يُعد تفجير المدمرة «كول» أحد أبرز الهجمات الإرهابية التي نفذها تنظيم القاعدة ضد الولايات المتحدة قبل أحداث 11 سبتمبر 2001. لقد كان هذا الهجوم بمثابة جرس إنذار مبكر حول القدرات المتنامية للتنظيم وخطورته، وكشف عن ثغرات أمنية في حماية الأصول البحرية الأمريكية في الخارج. ميناء عدن، الذي كان نقطة توقف حيوية للسفن الأمريكية في طريقها إلى الخليج العربي، أصبح مسرحاً لواحدة من أشد الهجمات دموية ضد البحرية الأمريكية في تاريخها الحديث، مما سلط الضوء على أهمية تأمين الممرات الملاحية الدولية.
منذ اعتقاله في عام 2002، يخضع الناشري للاحتجاز الأمريكي، وقد وُجهت إليه اتهامات رسمية في عام 2011. ومنذ ذلك الحين، انخرطت المحكمة في إجراءات ما قبل المحاكمة التي تعاملت مع أدلة حساسة تتعلق بالأمن القومي. جزء كبير من هذه الأدلة يرتبط بادعاءات تعرض الناشري للتعذيب خلال سنوات احتجازه لدى وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) بين عامي 2002 و2006. هذه الادعاءات أثارت جدلاً واسعاً حول شرعية الأدلة التي تم الحصول عليها تحت التعذيب، وأثرت بشكل كبير على سير الإجراءات القضائية، مما أدى إلى تأخيرات متكررة وتعقيدات قانونية غير مسبوقة في نظام المحاكم العسكرية بغوانتانامو.
تأتي أهمية هذه المحاكمة من عدة جوانب. على الصعيد المحلي، تمثل المحاكمة فرصة لتحقيق العدالة لعائلات الضحايا والناجين الذين انتظروا طويلاً، حيث توفي بعض آباء البحارة القتلى وزملاؤهم وهم ينتظرون بدء المحاكمة. وقد أيد بعض أفراد عائلات الضحايا والناجين اتفاق الإقرار بالذنب لتجنب سنوات طويلة من الاستئنافات التي قد تعقب الإدانة والحكم بالإعدام، رغبة منهم في طي صفحة هذه المأساة. إقليمياً ودولياً، ستكون هذه المحاكمة اختباراً لنظام العدالة العسكرية الأمريكية في غوانتانامو، وستسلط الضوء مجدداً على قضايا حقوق الإنسان والتعامل مع المشتبه بهم في قضايا الإرهاب، خاصة في ظل المزاعم المتكررة بالتعذيب. كما أنها ستعيد إلى الواجهة النقاش حول فعالية وكفاءة هذه المحاكمات في تحقيق العدالة والردع.
وقد أبلغ المدعون العامون، يوم الخميس، الضحايا وأقارب القتلى بقرار نائب وزير الدفاع، ستيف فاينبرغ، رفض الاتفاق. ودعوهم إلى التسجيل لحضور المحاكمة، التي من المقرر أن تبدأ باختيار هيئة محلفين عسكرية في الأول من يونيو، وقد تستمر لمدة ستة أشهر. وذكر أفراد العائلات ومحامو الناشري أن المدعين العامين كانوا قد أيدوا أيضاً الاتفاق الذي تم التوصل إليه العام الماضي، مما يشير إلى وجود خلافات داخلية حول أفضل مسار للتعامل مع هذه القضية المعقدة.


