spot_img

ذات صلة

السياري: صدمات هيكلية متشابكة تهدد النظام المالي العالمي

تحذير من اضطرابات هيكلية عميقة

أطلق محافظ البنك المركزي السعودي، الأستاذ أيمن السياري، تحذيراً قوياً بشأن مستقبل النظام المالي العالمي، مؤكداً أنه يواجه سلسلة من الصدمات المتصاعدة التي لم تعد مجرد أحداث طارئة أو ظرفية، بل تحولت إلى اضطرابات هيكلية متشابكة ومتعددة الأبعاد. وخلال مشاركته في “مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة”، شدد السياري على أن هذا الواقع الجديد يفرض حالة من عدم اليقين الهيكلي، ويضع تحديات غير مسبوقة أمام الاقتصادات العالمية، وبشكل خاص الاقتصادات الناشئة التي تعتبر الأكثر عرضة لهذه التقلبات.

سياق عالمي مضطرب وخلفية تاريخية

تأتي تصريحات السياري في وقت يمر فيه الاقتصاد العالمي بمرحلة انتقالية حرجة. فبعد التعافي الأولي من جائحة كوفيد-19، واجه العالم موجة تضخمية عنيدة، دفعت البنوك المركزية الكبرى، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، إلى تبني سياسات نقدية متشددة ورفع أسعار الفائدة بوتيرة سريعة. هذا التحول، بالإضافة إلى التوترات الجيوسياسية المستمرة مثل الحرب في أوكرانيا والنزاعات التجارية، خلق بيئة اقتصادية عالمية تتسم بالتقلب الشديد، مما يجعل النظام المالي أكثر حساسية للصدمات الخارجية ويزيد من أهمية التحذيرات التي أطلقها محافظ البنك المركزي السعودي.

أربعة محركات رئيسية للأزمة

حدد السياري أربعة عوامل رئيسية تقف خلف هذه الحالة من عدم الاستقرار. أولاً، التجزؤ الجيوسياسي الذي يعيق حركة التجارة والاستثمار ويزيد من تكاليف سلاسل الإمداد. ثانياً، التسارع الكبير في التطورات التكنولوجية، خاصة الذكاء الاصطناعي، الذي يخلق فرصاً هائلة ولكنه يفتح الباب أمام مخاطر جديدة تتعلق بالأمن السيبراني والاستقرار المالي. ثالثاً، تقلبات أسعار السلع الأساسية، التي تؤثر بشكل مباشر على موازنات الدول الناشئة وأمنها الغذائي. وأخيراً، النمو المتسارع لـالوساطة المالية غير المصرفية، حيث أشار إلى أن أصول هذا القطاع تجاوزت 51% من إجمالي الأصول المالية العالمية، مما يضعف من فعالية السياسات النقدية التقليدية ويزيد من حساسية الأسواق لتقلبات السيولة.

التأثير المتوقع على الاقتصادات الناشئة

أوضح السياري أن الاقتصادات الناشئة هي الأكثر تضرراً من هذه الصدمات، نظراً لأنها غالباً ما تكون خارجية بالنسبة لها، وتأتي لتفاقم تحديات داخلية قائمة بالفعل. هذه الاقتصادات تواجه هشاشة هيكلية ومؤسسية تقلل من قدرتها على امتصاص الصدمات، في ظل ارتفاع مستويات الدين وتكاليف خدمته. وأكد أن قدرة أي اقتصاد على الصمود تعتمد على عاملين رئيسيين: وجود أطر سياسات محلية متماسكة (نقدية ومالية وتنظيمية)، وتوفر “ممتصات صدمات” فعالة، وعلى رأسها احتياطيات كافية من النقد الأجنبي وأسواق مالية عميقة.

النموذج السعودي في مواجهة التحديات

استعرض السياري تجربة المملكة العربية السعودية كنموذج للمرونة الاقتصادية، مشيراً إلى أن اعتماد المملكة على هوامش احتياطية قوية ساهم بشكل كبير في الحفاظ على الاستقرار المالي واستقرار الأسواق. وأوضح أن السياسات المالية المعاكسة للدورات الاقتصادية، التي تقوم على تجميع الاحتياطيات في فترات النمو لاستخدامها استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع، أثبتت فعاليتها. كما أسهم ربط الريال السعودي بالدولار الأمريكي في ترسيخ استقرار الأسعار، حيث ظل متوسط معدل التضخم في المملكة دون 3% خلال السنوات الخمس الماضية.

دعوة للتعاون الدولي

واختتم السياري كلمته بالتأكيد على أن التعاون الدولي يظل عاملاً محورياً لمواجهة مواطن الضعف المستجدة. ودعا إلى ثلاث أولويات رئيسية: تعزيز تبادل البيانات عبر الحدود لدعم الرقابة وتقييم المخاطر، تحقيق قدر أكبر من المواءمة والتشغيل البيني في تبني التقنيات الناشئة بما يحفظ الاستقرار المالي، وتسريع تبادل المعرفة لتحديث الأطر الرقابية والإشرافية العالمية.

spot_imgspot_img