
في خطوة تعكس الحراك الثقافي المتنامي في المملكة، وبعد النجاح الكبير الذي شهده مهرجان الكتاب والقرّاء في محافظة الطائف باستقطابه ما يزيد عن 370 ألف زائر، تتعالى أصوات المثقفين والأدباء السعوديين للمطالبة بتحويل هذا الزخم إلى حدث مؤسسي دائم، عبر إدراج “مدينة الورد” على خريطة معارض الكتاب الدولية المرموقة في السعودية. هذا المطلب لا ينبع من مجرد طموح، بل يرتكز على مزيج فريد من الإرث التاريخي العميق، والمقومات الاستراتيجية الحديثة، والتوافق التام مع أهداف رؤية السعودية 2030.
السياق التاريخي: من سوق عكاظ إلى منارة ثقافية حديثة
لا يمكن الحديث عن الطائف كمركز ثقافي دون استحضار تاريخها العريق الذي يضرب بجذوره في عمق الحضارة العربية. وكما أشار عضو الجمعية التاريخية السعودية، خالد الحميدي، فإن المدينة كانت موطناً لسوق عكاظ، الذي لم يكن مجرد ملتقى تجاري، بل كان بمثابة البرلمان الثقافي والأدبي للعرب قبل الإسلام وبعده. في رحاب عكاظ، كانت تُعلّق المعلقات السبع، وتُلقى أعظم القصائد، وتُعقد التحالفات، وتُحسم النزاعات بقوة الكلمة والبيان. هذا الإرث يجعل من فكرة إقامة معرض دولي للكتاب في الطائف اليوم استمراراً طبيعياً لدورها التاريخي كحاضنة للفكر والأدب، وإعادة إحياء لذاكرتها كمنصة جامعة للمبدعين والمفكرين.
مقومات استراتيجية تجعل الطائف وجهة مثالية
تتجاوز مؤهلات الطائف بعدها التاريخي لتمتلك مقومات لوجستية وجغرافية تجعلها مرشحاً مثالياً. ويوضح الدكتور أحمد الهلالي، أستاذ الأدب والبلاغة بجامعة الطائف، أن مناخها المعتدل صيفاً يجعلها “عروس المصايف” والوجهة السياحية الأولى لملايين الزوار من داخل المملكة وخارجها، مما يوفر جمهوراً ضخماً ومتنوعاً لأي فعالية ثقافية كبرى. ويضيف رئيس نادي عكاظ الرياضي، محمد الدعجاني، أن موقعها الجغرافي كنقطة التقاء رئيسية بين مناطق المملكة يمنحها ميزة استراتيجية في سهولة الوصول. علاوة على ذلك، وكما يرى الشاعر خالد قماش، فإن البنية التحتية المتطورة من مطار دولي وشبكة طرق حديثة وفنادق ومنتجعات، إلى جانب المواقع الثقافية والسياحية المتعددة، تضمن القدرة على استضافة وتنظيم حدث دولي يليق بمكانة المملكة.
الأهمية والتأثير المتوقع في إطار رؤية 2030
إن إقامة معرض دولي للكتاب في الطائف يمثل خطوة استراتيجية تتناغم بشكل مباشر مع مستهدفات رؤية السعودية 2030. فعلى الصعيد الاقتصادي، يسهم الحدث في تنويع مصادر الدخل غير النفطية من خلال تنشيط قطاع السياحة الثقافية، وتحفيز الصناعات الإبداعية المحلية كالنشر والترجمة والتصميم. وعلى الصعيد الاجتماعي، يساهم المعرض في تحقيق أهداف برنامج “جودة الحياة” عبر إثراء الخيارات الثقافية والترفيهية للمواطنين والمقيمين، وتشجيع القراءة والمعرفة لدى الأجيال الجديدة. أما على الصعيد الدولي، فإن إضافة معرض الطائف إلى جانب معارض الرياض وجدة يعزز من مكانة المملكة كقوة ثقافية إقليمية، ويقدم للعالم نافذة جديدة على الإبداع السعودي، ويربط حاضر المملكة المشرق بماضيها الثقافي الأصيل، محققاً بذلك توازناً فريداً بين الأصالة والمعاصرة.


