spot_img

ذات صلة

حقوق الملكية الفكرية في عصر الذكاء الاصطناعي بالسعودية

مقدمة: العصر الرقمي وتحديات الملكية الفكرية

في ظل التحول الرقمي المتسارع الذي يشهده العالم، برز اقتصاد المبدعين كأحد أهم القطاعات الواعدة، خاصة في المملكة العربية السعودية التي تولي اهتماماً كبيراً بتنمية الصناعات الإبداعية ضمن مستهدفات رؤية 2030. ومع ذلك، أفرز هذا التطور تحديات جديدة، حيث شهدت منصات التواصل الاجتماعي مؤخراً موجة متزايدة من الشكاوى لصناع محتوى سعوديين، الذين وجدوا أعمالهم الإبداعية عُرضة للسرقة والتحوير وإعادة النشر دون إذن. وتفاقمت هذه المشكلة مع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التي سهّلت استنساخ وتعديل الصور والمقاطع الصوتية والمرئية بدقة عالية، مما يهدد الحقوق الأدبية والمالية للمبدعين ويثير تساؤلات حول مستقبل حماية الملكية الفكرية.

الذكاء الاصطناعي: أداة للابتكار أم سلاح للانتهاك؟

أكد مختصون قانونيون أن استخدام التقنيات الحديثة لا يغير من جوهر الانتهاك. وفي هذا السياق، أوضحت المحامية والمحكّم التجاري الدكتورة رباب المعبي، أن أي فعل يؤدي إلى استنساخ المصنف أو تعديله أو إتاحته للجمهور دون موافقة صريحة من صاحب الحق يُعد تعدياً صريحاً على نظام حماية حقوق المؤلف، بغض النظر عن الأداة المستخدمة. وأضافت أن الممارسات المنتشرة حالياً، مثل تعديل الصور الفوتوغرافية، وإعادة مونتاج المقاطع المرئية، وتقليد أساليب الفنانين، واستخدام وجوه وأصوات المشاهير في محتوى مزيف أو إعلانات غير مرخصة (تقنية التزييف العميق)، كلها تقع تحت طائلة المساءلة القانونية.

الإطار القانوني في السعودية: حماية استباقية للمبدعين

لم تقف المملكة مكتوفة الأيدي أمام هذه التحديات. فقد وضعت إطاراً تنظيمياً قوياً لحماية الحقوق الإبداعية، حيث تتولى الهيئة السعودية للملكية الفكرية دوراً محورياً في إنفاذ الأنظمة وتلقي الشكاوى. وأكدت الهيئة أن نشر الصور الشخصية وتعديلها بالذكاء الاصطناعي واستغلالها تجارياً دون إذن يعد انتهاكاً واضحاً. وتجسد ذلك في قضية حديثة أصدرت فيها الهيئة قراراً بتغريم شخص مبلغ 9,000 ريال لقيامه بتعديل ونشر صورة دون إذن، مع حفظ حق المتضرر في المطالبة بتعويض مدني. كما أن نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية يفرض عقوبات أشد قد تصل إلى السجن والغرامة في حال اقترن الانتهاك بالتشهير أو انتحال الشخصية.

أهمية حماية الإبداع وأثره على الاقتصاد الوطني

تتجاوز أهمية حماية الملكية الفكرية حقوق الأفراد لتصل إلى التأثير المباشر على الاقتصاد الوطني. فصناعة المحتوى الرقمي تعد رافداً اقتصادياً مهماً يساهم في توفير فرص العمل وتنويع مصادر الدخل، وهو ما ينسجم مع رؤية 2030. إن توفير بيئة آمنة ومحفزة للمبدعين يضمن استمرارية إنتاجهم ويشجع على الابتكار، بينما يؤدي تفشي السرقات الرقمية إلى إحباط المبدعين وتقويض الثقة في السوق الإبداعي، مما قد يعيق نمو هذا القطاع الحيوي على المدى الطويل.

تحديات قائمة وحلول عملية

يرى محمد بن عبدالله السلامة، رئيس مجلس إدارة جمعية حماية الملكية الفكرية، أن سرعة الانتشار الرقمي للمحتوى تمثل التحدي الأبرز، مما يصعّب تتبع الانتهاكات. وأشار إلى وجود ضعف في الوعي لدى البعض الذين يعتقدون أن المحتوى المنشور على الإنترنت متاح للجميع. ولمواجهة ذلك، شدد السلامة على أهمية اتخاذ المبدعين خطوات استباقية لحماية أعمالهم، مثل تسجيلها رسمياً لدى الجهات المختصة، واستخدام العلامات المائية الرقمية، وتقنيات التشفير، وتفعيل خدمات الرصد الإلكتروني لتتبع أي استخدام غير مصرح به.

تجارب حية من الميدان

روت رائدة الأعمال البندري تركي تجربتها، حيث رفضت طلب عميل بتسليم الملفات المفتوحة لعمل إعلاني، بعد استشارة قانونية أكدت أن العقد يمنح العميل حق استخدام المنتج النهائي فقط، وليس حق تفكيكه وإعادة استخدامه. من جانبها، تعرضت كاتبة قصة قصيرة لسرقة عملها وتحويله إلى فيديو منسوب لشخص آخر. هذه التجارب تسلط الضوء على أهمية الوعي القانوني وضرورة وجود عقود واضحة تحفظ حقوق جميع الأطراف.

الخلاصة: نحو استخدام مسؤول للتقنية

أكد الدكتور عبدالله معيض الغامدي، رئيس قسم علوم الحاسب والذكاء الاصطناعي بجامعة جدة، أن الذكاء الاصطناعي يمر بمرحلة تطور هائلة، لكن يجب ألا يُستخدم لتبرير ممارسات خاطئة. وأشار إلى أن السعودية تبنت مبكراً مبادئ حوكمة الذكاء الاصطناعي لضمان استخدامه بشكل مسؤول وأخلاقي. وفي المحصلة، يبقى التحدي قائماً في الموازنة بين الاستفادة من إمكانيات التقنية الهائلة وضمان عدم تحولها إلى أداة لانتهاك الحقوق، وهو ما يتطلب تضافر جهود المشرّعين والمبدعين والمنصات التقنية لتعزيز بيئة رقمية عادلة ومبتكرة.

spot_imgspot_img