أعلنت وزارة الثقافة في المملكة العربية السعودية، ووزارة الثقافة والإعلام والرياضة في المملكة المتحدة، عن اختيار عام 2029م ليكون “العام الثقافي السعودي البريطاني”، في خطوة تاريخية تهدف إلى تعميق الروابط الإبداعية والإنسانية بين البلدين. جاء هذا الإعلان المشترك على هامش زيارة أمير ويلز، ولي عهد المملكة المتحدة، الأمير ويليام، إلى المملكة، مما يضفي على المبادرة زخماً دبلوماسياً رفيع المستوى.
ويأتي هذا الإعلان تتويجاً لعلاقات ثنائية متينة تمتد جذورها لأكثر من قرن من الزمان. فمنذ توقيع معاهدة جدة في عام 1927، التي اعترفت فيها بريطانيا بالسيادة الكاملة للملك عبد العزيز آل سعود، تطورت العلاقات من مجرد تحالف سياسي واقتصادي إلى شراكة استراتيجية شاملة. وعلى مر العقود، شملت هذه الشراكة مجالات حيوية كالتعليم، حيث أصبحت الجامعات البريطانية وجهة رئيسية للطلاب السعوديين، والتعاون الاقتصادي والتجاري، وصولاً إلى التبادل المعرفي والابتكار.
سياق استراتيجي ورؤية مستقبلية
لا يمكن فصل هذه المبادرة عن التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة العربية السعودية في إطار “رؤية 2030”. حيث تضع الرؤية الثقافة والفنون كأحد المحركات الأساسية لتنمية مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر. ويسعى العام الثقافي إلى أن يكون منصة عالمية لعرض التراث السعودي العريق، من المواقع الأثرية المسجلة في اليونسكو مثل العلا والدرعية، إلى الفنون المعاصرة التي تشهد ازدهاراً لافتاً. كما يمثل فرصة لتعزيز الصناعات الثقافية المحلية وتوفير فرص للمبدعين السعوديين للتفاعل مع نظرائهم البريطانيين واكتساب خبرات عالمية.
تأثير متبادل وأبعاد دولية
من المتوقع أن يكون للعام الثقافي تأثير إيجابي واسع النطاق. فعلى المستوى المحلي، سيسهم في إثراء الحياة الثقافية للمواطنين والمقيمين في كلا البلدين من خلال برنامج حافل بالفعاليات يمتد على مدى عام كامل، ويشمل معارض فنية، وعروضاً موسيقية ومسرحية، ومهرجانات سينمائية، وورش عمل مشتركة في مجالات متنوعة كفنون الطهي والعمارة والتصميم. أما على الصعيد الدولي، فتعزز هذه الشراكة من القوة الناعمة للبلدين، وتقدم نموذجاً للحوار بين الثقافات المبني على الاحترام المتبادل والاهتمامات المشتركة. كما أنها تفتح آفاقاً جديدة للسياحة الثقافية، وتشجع على الاستثمار في القطاعات الإبداعية، مما يخدم الأهداف الاقتصادية لكلا المملكتين.
ويُبنى هذا الزخم على أساس متين من التعاون الثقافي الذي شهد نمواً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، والذي تجلى في مبادرات مشتركة في مجالات حفظ التراث، والفنون البصرية، والتعليم العالي. لذا، يُعد العام الثقافي السعودي البريطاني 2029 إضافة نوعية لمسيرة العلاقات التاريخية، وجسراً جديداً يعزز التفاهم بين الشعبين، ويخدم تطلعات الأجيال القادمة في بناء مستقبل قائم على الإبداع والابتكار المشترك.


