تحقيق رسمي يكشف قضية فساد كبرى في مؤسسة التجارة الخارجية السورية
كشف الجهاز المركزي للرقابة المالية في سورية عن قضية فساد مالي كبيرة في المؤسسة العامة للتجارة الخارجية، إحدى الهيئات الحيوية التابعة لوزارة الاقتصاد. وأسفرت التحقيقات عن تحديد هدر مالي كبير وضرر بالمال العام قُدّر بنحو ملياري ليرة سورية قديمة، في قضية تسلط الضوء مجدداً على التحديات التي تواجهها المؤسسات الحكومية في ظل الأزمة الاقتصادية العميقة التي تعصف بالبلاد.
تفاصيل القضية: إهدار 614 مليون ليرة و119 ألف دولار
أظهرت وقائع التحقيق أن المؤسسة كانت قد أبرمت عقداً مع إحدى الشركات الخاصة لتوريد سيارتين مصفحتين لصالح المصرف التجاري السوري. إلا أن الشركة المتعهدة لم تلتزم بالجدول الزمني المحدد في العقد، حيث قامت بتسليم السيارتين بعد انقضاء المهلة المتفق عليها. ووفقاً لبنود العقد، كان هذا التأخير يستوجب فرض غرامات مالية على الشركة. لكن التحقيقات كشفت أن المسؤولين في المؤسسة قاموا بتبرير التأخير بطرق مخالفة للأنظمة والقوانين المعمول بها، مما أدى إلى التغاضي عن فرض الغرامات المستحقة. وأسفر هذا الإجراء عن إهدار مبلغ مباشر قدره 614 مليون ليرة سورية، بالإضافة إلى 119 ألف دولار أمريكي، وهو ما يعادل أكثر من 1.35 مليار ليرة سورية قديمة، ليصل إجمالي الضرر إلى ما يقارب الملياري ليرة.
السياق العام: الفساد كأحد تحديات الاقتصاد السوري
تأتي هذه القضية في سياق أوسع من التحديات التي يواجهها الاقتصاد السوري. فلطالما صُنفت سورية ضمن المراتب المتأخرة في مؤشرات مدركات الفساد العالمية الصادرة عن منظمات مثل الشفافية الدولية. وقد أدت سنوات النزاع الطويلة إلى تفاقم هذه الظاهرة، حيث أضعفت الحرب مؤسسات الدولة الرقابية وخلقت بيئة خصبة لشبكات المصالح والمحسوبية. وتعتبر المؤسسة العامة للتجارة الخارجية لاعباً رئيسياً في تأمين المستوردات الأساسية للبلاد، وأي خلل أو فساد في عملها ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين وقدرة الدولة على توفير السلع الأساسية.
الأهمية والتأثير المتوقع للقضية
على الصعيد المحلي، تؤدي مثل هذه القضايا إلى تآكل ثقة المواطنين في المؤسسات العامة، وتعمّق الشعور بغياب العدالة والمحاسبة. ففي وقت يعاني فيه السوريون من أزمة معيشية خانقة ونقص حاد في الخدمات، يُنظر إلى هدر المليارات من المال العام كسبب مباشر لتفاقم معاناتهم. أما على الصعيد الدولي، فإن استشراء الفساد يمثل عقبة كبرى أمام أي جهود مستقبلية لإعادة الإعمار. فالمستثمرون والجهات المانحة الدولية تحجم عن ضخ الأموال في بيئة تفتقر إلى الشفافية والحوكمة الرشيدة، خشية تحويل مسار هذه الأموال. وبالتالي، فإن قضايا الفساد لا تضر بالاقتصاد المحلي فحسب، بل تساهم أيضاً في إطالة أمد العزلة الاقتصادية التي تواجهها البلاد.
الإجراءات المتخذة ومسار التحقيق
خلصت التحقيقات إلى تحميل المسؤولية للمتعهد والشركة المنفذة، بالإضافة إلى عدد من المسؤولين في المصرف التجاري، بينهم المدير العام ورئيس شعبة الآليات ورئيس دائرة الآليات. ووجهت إليهم تهمة الإهمال الذي أفضى إلى الإضرار بالمال العام وسوء تنفيذ بنود العقد. وأوصى التقرير بإحالة المتعهد إلى القضاء المختص، وملاحقة المتورطين في المؤسسة، مع إلزامهم جميعاً بسداد المبلغ المهدور بالتكافل والتضامن، إضافة إلى إعفائهم من مهامهم ومنع تكليفهم مستقبلاً بأي عمل يتضمن مسؤولية مالية.


