يبرز اسم الكاتب السعودي أحمد الحقيل كصوت سردي مهم في المشهد الثقافي المعاصر، مقدماً رؤية واعية بتحولات المجتمع وأسئلة الكتابة والإنسان. لا تكتفي أعماله برصد الواقع، بل تحاوره وتفككه بلغة تجمع بين العمق والبساطة، والحس الإبداعي والتأمل الفكري. في هذا الحوار، يكشف الحقيل عن رؤيته لمكانة القصة القصيرة، وفلسفته في الكتابة، وتقييمه للمشهد الأدبي السعودي.
القصة القصيرة: فن مظلوم في زمن الرواية
في تشخيصه لواقع الأجناس الأدبية، يرى أحمد الحقيل أن القصة القصيرة تعاني من تهميش واضح. ويصرح قائلاً: “نعم، القصة القصيرة مظلومة نقدياً وجماهيرياً”. يأتي هذا الرأي في سياق مشهد أدبي عربي، وليس فقط سعودي، أعطى للرواية مكانة مركزية خلال العقود الأخيرة. فقد استحوذت الرواية على اهتمام النقاد والجوائز الكبرى، مثل الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، مما خلق انطباعاً بأنها الجنس الأدبي الأكثر “اكتمالاً” وجدية.
يفسر الحقيل هذه الظاهرة بقوله:
“أظن أن الرواية تعطي انطباعاً بـ«الاكتمال»، فالناقد يدرسها عملاً كاشفاً بوحدة موضوعية، والقارئ يقرأها عملاً مستحوذاً بتجربة مستمرة. أما المجموعة القصصية فتبدو فسيفساء تحتاج إلى تشكيل وتجميع.”
هذا التحليل يلمس جوهر الإشكالية، حيث تتطلب المجموعة القصصية من القارئ والناقد جهداً إضافياً لربط الخيوط وتكوين رؤية شاملة، بينما تقدم الرواية عالماً متكاملاً وتجربة قرائية متصلة، وهو ما يمنحها أفضلية في سوق النشر والتلقي.
فلسفة الكتابة: إعادة اكتشاف الحواس وتنظيم الفوضى
بعيداً عن التصنيفات، ينظر الحقيل إلى الكتابة كقدر شخصي وخيار وجودي، فهي ليست مجرد هواية عابرة بل أصبحت “طبعاً راسخاً”. يصفها بأنها عملية “إعادة اكتشاف للحس”، تعيد للإنسان نشاطه الذهني الذي كان يملكه في طفولته، وتساعده على إبطاء الزمن المتسارع من حوله. من هذا المنطلق، تصبح الكتابة أداة لمواجهة الفوضى وترتيبها.
ويحتل “المكان” حيزاً محورياً في أعمال الحقيل، الذي يصر على واقعيته وأهميته في بناء نص أدبي حقيقي. يتساءل مستنكراً:
“كيف أكتب أدباً واقعياً دون أن يكون المكان عنصراً أساسياً وحقيقياً يكاد يكون ملموساً؟”
هذا الارتباط الوثيق بالبيئة والجغرافيا يمنح كتاباته صدقاً وعمقاً، مبتعداً عن النصوص التي تحلق خارج سياقها الزماني والمكاني، ليقدم أدباً متجذراً في تربته، يعكس ناسه وحكاياتهم.
المشهد الأدبي السعودي: شغف يواجه تحديات هيكلية
عند تقييمه للمشهد الروائي السعودي، يصفه الحقيل بأنه يشهد “نشاطاً ملحوظاً، ولكنه محدود”. ويرجع هذا المحدودية إلى غياب بنية تحتية ومؤسسية داعمة للكاتب. فالكتابة في معظمها فعل فردي قائم على الشغف الشخصي دون عائد مادي أو معنوي يذكر.
“كل من في المشهد هواة يدفعهم شغفهم دون أي فائدة تُذكر، لا مالياً ولا معنوياً ولا تسويقياً ولا جوائزياً. كل الكتاب الذين أعرفهم يكتبون لأنهم يحبون الكتابة”.
ويشير الحقيل إلى أن الكاتب السعودي يفتقر إلى “المعنى” الذي يمنحه السياق المتكامل، مقارناً حاله بالشاعر الشعبي الذي يعمل ضمن مشهد راسخ تاريخياً وتسويقياً ونقدياً. فغياب المؤسسات الفاعلة في النشر والتوزيع والدراسات النقدية يضع الكاتب في مواجهة “فراغ مؤكد” ما لم ينجح في تكوين شريحة قراء خاصة به. ورغم هذه التحديات، فإن التحولات الثقافية التي تشهدها المملكة ضمن رؤية 2030 قد تفتح آفاقاً جديدة لدعم الكُتّاب والمبدعين وتوفير بيئة أكثر تكاملاً للصناعة الإبداعية.
تأثير وسائل التواصل الاجتماعي
يرى الحقيل أن وسائل التواصل الاجتماعي غيرت قواعد اللعبة، فهي لم تعد مجرد “وسيط” للنشر والتلقي، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى “غاية” بحد ذاتها. ويحذر من أن “الوسيط أحياناً يُسيِّر المضمون”، حيث أصبح الكثير من الكُتّاب “يقولب نفسه عليها بدلاً من أن يستغلها لإيصال صوته”. وهو ما يطرح صراعاً فلسفياً بين سلطة المضمون ومتطلبات الوسيط.


