spot_img

ذات صلة

ألمانيا تتمسك بالتحالف مع واشنطن رغم خلافات ترمب

في تأكيد على عمق العلاقات الاستراتيجية التي تربط بين ضفتي الأطلسي، أعلن المستشار الألماني فريدريتش ميرتس، خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، أن بلاده ترفض فكرة التخلي عن الولايات المتحدة كحليف رئيسي، على الرغم من الخلافات السياسية التي ظهرت خلال فترة رئاسة دونالد ترمب. جاء هذا التصريح في وقت حاسم شهد توترات غير مسبوقة في العلاقات بين الحلفاء التاريخيين، مما أثار تساؤلات حول مستقبل التحالف الغربي.

خلفية تاريخية للتحالف الأطلسي

يعود التحالف الألماني الأمريكي إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث شكل حجر الزاوية في النظام الأمني الأوروبي. تأسس هذا التعاون في سياق الحرب الباردة، ولعب حلف شمال الأطلسي (الناتو) دوراً محورياً في توفير مظلة أمنية لألمانيا الغربية، ومن ثم ألمانيا الموحدة، في مواجهة التهديد السوفيتي. لعقود طويلة، كان الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا ضمانة أساسية للاستقرار والازدهار، مما سمح لألمانيا بالتركيز على إعادة بناء اقتصادها وترسيخ مكانتها كقوة رائدة في المشروع الأوروبي.

توترات عهد ترمب وأثرها على العلاقات

شهدت فترة رئاسة دونالد ترمب توتراً ملحوظاً في هذه العلاقة التاريخية. أدت سياسة “أمريكا أولاً” إلى نشوء خلافات عميقة حول عدة ملفات. انتقد ترمب مراراً ألمانيا لعدم التزامها بهدف إنفاق 2% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، وهو ما يعتبره الناتو التزاماً على الدول الأعضاء. كما نشبت نزاعات تجارية حادة، تمثلت في فرض واشنطن رسوماً جمركية على الصلب والألمنيوم الأوروبي والتهديد بفرض رسوم مماثلة على السيارات الألمانية. وزاد من تعقيد المشهد الخلاف حول الاتفاق النووي الإيراني، الذي انسحبت منه الولايات المتحدة في حين سعت ألمانيا والقوى الأوروبية الأخرى للحفاظ عليه.

الأهمية الاستراتيجية لألمانيا وأوروبا

في كلمته، أقر ميرتس بوجود هذه التحديات، معرباً عن تفهمه “للشكوك” التي تدفع البعض للمطالبة باستقلال استراتيجي عن واشنطن. لكنه شدد على “الواقع الجيوسياسي” الذي لا يمكن لأوروبا تجاهله، والذي يتمثل في وجود تهديدات متزايدة، أبرزها السياسات الروسية في المنطقة. تدرك القيادة الألمانية أنه في المدى المنظور، لا يمكن لأي قوة عسكرية أوروبية أن تحل محل القدرات الاستراتيجية التي توفرها الولايات المتحدة عبر الناتو، بما في ذلك الردع النووي والدعم الاستخباراتي واللوجستي. ودعا ميرتس إلى ضرورة ترميم الثقة وإدارة الخلافات عبر الحوار البنّاء.

مستقبل الناتو وقيادة أوروبية متنامية

تعكس تصريحات ميرتس نقاشاً أوسع داخل أوروبا حول دورها المستقبلي. فبينما يدعو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى “استقلالية استراتيجية أوروبية” كاملة، تتبنى ألمانيا نهجاً أكثر حذراً يسعى لتعزيز الركيزة الأوروبية داخل الناتو دون إقصاء الولايات المتحدة. وقد أيد هذا التوجه الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، الذي توقع مستقبلاً يميل فيه الحلف نحو “قيادة أوروبية أكبر”، مع الحفاظ على وجود أمريكي قوي وراسخ. ويهدف هذا التوجه إلى تحقيق توازن بين تحمل أوروبا لمسؤوليات أكبر في أمنها، والاعتراف بالواقع العملي الذي يفرض استمرار الشراكة مع واشنطن.

spot_imgspot_img