في تصريح بارز يعكس التحولات العميقة على الساحة الدولية، أكد وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، أن النظام العالمي لم يعد يعمل كما ينبغي، داعياً إلى إعادة النظر في هياكله لمواجهة التحديات المعاصرة. جاءت هذه التصريحات خلال مشاركته في جلسة حوارية بعنوان “نقطة التحول.. النظام الدولي بين الإصلاح والتدمير” ضمن فعاليات مؤتمر ميونخ للأمن، الذي يعد أحد أهم المنابر العالمية لمناقشة السياسات الأمنية والدفاعية.
سياق تاريخي: النظام العالمي على المحك
يُشير مصطلح “النظام العالمي” إلى الهيكل السياسي والاقتصادي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الثانية، بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين. تأسس هذا النظام على مؤسسات مثل الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، بهدف الحفاظ على السلم والأمن الدوليين وتعزيز التعاون الاقتصادي. ولفترة طويلة، كانت أوروبا، كما أشار الأمير فيصل، من أكبر الداعمين والمستفيدين من هذا النظام. لكن العقود الأخيرة شهدت تحديات متزايدة أضعفت من فعاليته، مثل الأزمات المالية، وصعود قوى جديدة كالصين، وتزايد الاستقطاب السياسي.
أوكرانيا وفلسطين: أزمات كاشفة
أوضح وزير الخارجية أن الحرب في أوكرانيا أعادت فتح النقاش بحدة حول قصور هذا النظام، وكشفت عن ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي. وأضاف أن “دول العالم أصبحت أكثر صراحة مع بعضها البعض” في التعبير عن عدم رضاها. وفي السياق ذاته، شدد الأمير فيصل على مركزية القضية الفلسطينية، مؤكداً أن الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة في قطاع غزة، وفشل المجتمع الدولي في إيجاد حل عادل، يقوض مصداقية النظام العالمي بأكمله. وربط بشكل مباشر بين استقرار غزة وإمكانية تحقيق وحدة الأراضي الفلسطينية، قائلاً: “وحدة الضفة والقطاع غير ممكنة دون استقرار غزة”.
الأهمية والتأثير المتوقع: دور سعودي جديد
تكتسب تصريحات الأمير فيصل بن فرحان أهمية خاصة كونها تصدر من المملكة العربية السعودية، التي تمثل قوة اقتصادية وسياسية محورية في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. تعكس هذه الرؤية تحولاً في السياسة الخارجية السعودية، التي باتت تسعى للعب دور أكثر استقلالية وتوازناً في عالم متعدد الأقطاب، بما يتماشى مع أهداف رؤية 2030. إن الدعوة لإصلاح النظام العالمي لا تمثل موقفاً سعودياً فحسب، بل هي صدى لصوت متنامٍ في دول الجنوب العالمي التي تطالب بنظام دولي أكثر عدالة وشمولية، يعكس توزيع القوى الجديد في القرن الحادي والعشرين. ومن المتوقع أن تساهم هذه المواقف في تشكيل حوار دولي أوسع حول مستقبل الحوكمة العالمية، وكيفية تكييف المؤسسات الدولية لتكون قادرة على التعامل بفعالية مع أزمات المناخ، والأوبئة، والنزاعات الإقليمية.


