في تحول سياسي تاريخي يتردد صداه في جميع أنحاء بنغلاديش، عاد طارق رحمن، رئيس الحزب الوطني البنغلاديشي (BNP) والمرشح لرئاسة الوزراء، من سنوات المنفى ليقود حزبه إلى فوز ساحق في الانتخابات البرلمانية الأخيرة. أعلن رحمن أن أولويات حكومته القادمة ستتمثل في إنعاش الاقتصاد، واستعادة الأمن والنظام، وتعزيز الحكم الرشيد، في مهمة يصفها بالمحفوفة بالتحديات الجسيمة.

خلفية تاريخية وسياق سياسي:
تتمتع بنغلاديش بتاريخ سياسي معقد ومضطرب منذ استقلالها عام 1971. تأسس الحزب الوطني البنغلاديشي (BNP) على يد الرئيس الراحل ضياء الرحمن، والد طارق رحمن، والذي يُعد شخصية محورية في حرب الاستقلال ورمزاً وطنياً. بعد اغتياله، تولت زوجته، خالدة ضياء، والدة طارق، قيادة الحزب وأصبحت رئيسة للوزراء لعدة فترات، لتشكل مع حزب رابطة عوامي بقيادة الشيخة حسينة ديناميكية سياسية تتسم بالتنافس الشديد والاستقطاب. أمضى طارق رحمن نفسه ما يقرب من عقدين في المنفى الاختياري في لندن، بعد أن واجه اتهامات بالفساد نفاها بشدة، مما أبعده عن المشهد السياسي المباشر في بلاده. يمثل عودته وقيادته للحزب نحو النصر تحولاً دراماتيكياً يعيد الحزب إلى السلطة بعد غياب طويل، ويفتح صفحة جديدة في تاريخ بنغلاديش السياسي.
انتصار ساحق وتحديات اقتصادية وسياسية:
جاءت تصريحات رحمن في مؤتمر صحفي عقب إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية التي أجريت يوم الخميس الماضي، والتي شهدت فوز تحالف الحزب الوطني البنغلاديشي بأغلبية ساحقة بلغت 212 مقعداً من أصل 299 مقعداً في البرلمان، مقابل 77 مقعداً لتحالف الحزب الإسلامي. هذا الفوز يعيد الحزب إلى سدة الحكم بعد غياب دام نحو عقدين، في انتخابات وُصفت بأنها الأكثر تنافسية منذ فترة طويلة. أكد رحمن أن بلاده تواجه «تحديات خطيرة للغاية»، مشدداً على ضرورة معالجة اقتصاد البلاد وضمان حكم رشيد وفعال. وأضاف أنه سيعمل على تشجيع الأعمال التجارية وخلق المزيد من فرص العمل، مؤكداً على أن «الصين صديق للتنمية»، ومعرباً عن أمله في تعزيز التعاون بين البلدين، وفقاً لما نقلته وكالة رويترز.
إصلاحات دستورية وتطلعات ديمقراطية:
تزامنت الانتخابات مع استفتاء دستوري حظي بمشاركة قوية، حيث وافق الناخبون على إصلاحات مهمة تشمل تحديد فترتين رئاسيتين لرئيس الوزراء، وتعزيز استقلال القضاء، وزيادة تمثيل المرأة في الهيئات التشريعية. اعتبر المحللون أن الأغلبية الكبيرة التي حصل عليها الحزب الوطني البنغلاديشي تمثل فرصة ذهبية لاستعادة الاستقرار السياسي بعد أشهر من الاضطرابات، وتطبيق هذه الإصلاحات لتعزيز المؤسسات الديمقراطية. رحب رئيس الحكومة المؤقتة، محمد يونس (الحائز على جائزة نوبل للسلام)، بالنتائج، واصفاً إياها بأنها «علامة بارزة في الانتقال الديمقراطي»، وهنأ طارق رحمن على «الانتصار الساحق لحزبه»، معرباً عن استعداده لتسليم السلطة بسلاسة.
دعوات دولية للإصلاح ومستقبل بنغلاديش:
أشاد مراقبون دوليون، مثل المعهد الجمهوري الدولي الأمريكي، بإدارة الانتخابات السلمية والفعالة، لكنهم حذروا من أن البيئة السياسية لا تزال هشة، مطالبين الحكومة الجديدة بتنفيذ إصلاحات سريعة لتعزيز المكاسب الديمقراطية. يواجه رحمن تحديات هائلة تشمل إعادة بناء الاقتصاد المتضرر، واستعادة ثقة المستثمرين، وإصلاح قطاع الملابس الجاهزة الحيوي، مع الحفاظ على التوازن في العلاقات الخارجية، خاصة مع الصين والهند. وقد هنأ رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي رحمن شخصياً، مما يؤكد الأهمية الإقليمية لهذا التحول. يمثل فوز الحزب الوطني البنغلاديشي تحولاً تاريخياً في بنغلاديش بعد سنوات من الحكم الاستبدادي، مع آمال كبيرة في استعادة الديمقراطية والاستقرار الاقتصادي تحت قيادة طارق رحمن، الذي يعود من المنفى حاملاً آمال شعبه في مستقبل أفضل.


