ما قصة الأسبستوس المسرطن؟ جهود وطنية لحظر استخدامه ومخاطره الصحية
في خطوة حاسمة لتعزيز الصحة العامة وحماية البيئة، صدر قرار من مجلس الوزراء بتشكيل لجنة دائمة تُعنى بمتابعة كل ما يتعلق بمادة الأسبستوس الخطيرة. يأتي هذا القرار ليؤكد على الجهود الوطنية المتواصلة لحظر هذه المادة شديدة الخطورة، والتي أثبتت الدراسات العلمية ضررها البالغ على صحة الإنسان.
يمثل هذا القرار امتدادًا وتأكيدًا لقرارات سابقة أصدرها المجلس في عامي 1418هـ و1421هـ، والتي نصت صراحة على منع استخدام الأسبستوس واستيراده وتصديره وتصنيعه. كما دعت تلك القرارات إلى استبداله في المباني وشبكات المياه، والتخلص الآمن منه بطرق لا تشكل خطرًا على الأفراد أو البيئة. وتُشرف حاليًا عدة جهات حكومية على تنفيذ عمليات الإزالة، بالتنسيق مع المركز الوطني للأرصاد ووزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان، بما يتماشى مع التوجيهات الدولية التي أثبتت خطورة الأسبستوس على الصحة والبيئة.
ما هو الأسبستوس ولماذا كان شائعًا؟
يُعرف الأسبستوس، أو “الحرير الصخري”، بأنه مجموعة من المعادن الليفية الطبيعية التي كانت تُستخدم على نطاق واسع في مواد البناء والعزل لخصائصها الفريدة. فقد تميز بمقاومته العالية للحرارة والنار والمواد الكيميائية، بالإضافة إلى متانته وقدرته على العزل الكهربائي، مما جعله مادة مثالية ورخيصة للعديد من التطبيقات الصناعية والإنشائية. يعود تاريخ استخدامه إلى آلاف السنين، حيث استخدمه الرومان واليونانيون القدماء في صناعة الأقمشة المقاومة للحريق، لكن ذروة استخدامه كانت خلال الثورة الصناعية في القرن العشرين، حيث دخل في صناعة أكثر من 3000 منتج، بما في ذلك أنابيب المياه، بلاط الأسقف، عوازل الجدران، ومكونات السيارات.
المخاطر الصحية المدمرة للأسبستوس
على الرغم من خصائصه المفيدة، كشفت الدراسات العلمية في منتصف القرن العشرين عن الوجه المظلم للأسبستوس. فاستنشاق الألياف الدقيقة المتطايرة منه يؤدي إلى أمراض رئوية مزمنة وخطيرة، لا تظهر أعراضها إلا بعد سنوات طويلة من التعرض، قد تصل إلى 20 أو حتى 50 عامًا. من أبرز هذه الأمراض: تليف الرئة (الأسبستوسيس)، وسرطان الرئة، وورم المتوسطة (Mesothelioma) وهو نوع نادر وعدواني من السرطان يصيب بطانة الرئة أو البطن أو القلب. هذه الألياف، بمجرد استنشاقها، تستقر في الرئتين وتسبب التهابًا وتلفًا للأنسجة، مما يؤدي إلى تندبها وصعوبة في التنفس.
ويُحذر المختصون بشكل خاص من أن استنشاق ألياف الأسبستوس الدقيقة يؤدي إلى تندب أنسجة الرئة وضيق التنفس، خصوصًا لدى العاملين في المجالات التي كانت تعتمد على منتجات تحتوي على هذه المادة. وتشير الأبحاث إلى أن الأسبستوس يُستخرج من مناجم في جنوب إفريقيا وفنلندا وروسيا، ويُستخدم في العزل الحراري لمختلف التطبيقات، مما يجعل التعامل معه دون احتياطات صارمة خطرًا كبيرًا على الصحة العامة.
الأهمية المحلية والدولية لجهود الحظر
تأتي هذه الجهود الوطنية متوافقة مع التوجهات العالمية التي تدعو إلى حظر الأسبستوس بشكل كامل. فقد حظرت العديد من الدول المتقدمة استخدامه منذ عقود، وهناك اتفاقيات دولية مثل اتفاقية روتردام واتفاقيات منظمة العمل الدولية (ILO) التي تسعى للحد من مخاطره. إن تشكيل اللجنة الدائمة يعكس التزام المملكة بحماية مواطنيها ومقيميها من هذه المادة السامة، ويؤكد على دورها في المساهمة في بيئة صحية وآمنة، محليًا وإقليميًا.
إن التحدي الأكبر يكمن الآن في تحديد مواقع الأسبستوس الموجودة بالفعل في البنى التحتية القديمة، وإدارتها وإزالتها بأمان تام. هذا يتطلب خططًا شاملة وتدريبًا متخصصًا للعمال، بالإضافة إلى حملات توعية عامة لضمان عدم تعرض أي شخص للخطر. إن النجاح في هذه المهمة سيضمن مستقبلًا صحيًا للأجيال القادمة ويقلل بشكل كبير من معدلات الأمراض المرتبطة بالأسبستوس.


