أعلنت جمهورية مصر العربية اليوم عن انطلاق المرحلة الأولى من مشروع الربط الكهربائي الاستراتيجي مع المملكة العربية السعودية، بقدرة مبدئية تبلغ 1500 ميغاوات. يمثل هذا المشروع خطوة تاريخية نحو تعزيز أمن الطاقة الإقليمي وتكامل الشبكات الكهربائية بين البلدين الشقيقين، ويأتي في إطار رؤية أوسع لتحقيق الاستقرار الكهربائي وتلبية الطلب المتزايد على الطاقة.
خلفية تاريخية وأهمية استراتيجية
لطالما كان مشروع الربط الكهربائي بين مصر والسعودية حلماً يراود قادة البلدين لعقود، نظراً لما يمتلكانه من إمكانات هائلة في توليد الطاقة، خاصة من المصادر المتجددة. تعود فكرة الربط إلى تسعينيات القرن الماضي، لكنها اكتسبت زخماً كبيراً في السنوات الأخيرة مع تزايد الحاجة إلى تنويع مصادر الطاقة وتعزيز موثوقية الشبكات. يهدف هذا المشروع إلى تبادل الطاقة الكهربائية بين البلدين، مستفيداً من اختلاف أوقات الذروة في الاستهلاك بينهما، مما يساهم في تحقيق أقصى استفادة من القدرات الإنتاجية المتاحة وتقليل الحاجة إلى إنشاء محطات توليد إضافية لمواجهة أوقات الذروة.
يُعد هذا المشروع الرائد، الذي تبلغ تكلفته الإجمالية حوالي 1.8 مليار دولار أمريكي، أحد أكبر مشاريع الربط الكهربائي بتقنية التيار المستمر عالي الجهد (HVDC) في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يتضمن المشروع إنشاء خطوط نقل هوائية ومحطات تحويل رئيسية في كل من بدر بمصر، وشرق المدينة وتبوك بالمملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى كابل بحري يمتد عبر خليج العقبة، مما يجعله إنجازاً هندسياً وتقنياً فريداً.
تأثيرات محلية وإقليمية واسعة
صرح وزير الكهرباء والطاقة المتجددة المصري، الدكتور محمد شاكر، بأن المشروع سيلعب دوراً محورياً في استقرار الشبكة القومية للكهرباء خلال فصل الصيف القادم، خاصة مع التوقعات بزيادة الأحمال على الشبكة بنسبة تتراوح بين 6% و 7%. وأشار الوزير إلى أن إطلاق المرحلة الأولى بقدرة 1500 ميغاوات سيدعم الخطة العاجلة لتأمين صيف 2026، ويساهم في تلبية احتياجات المواطنين المتزايدة من الطاقة الكهربائية.
من جانبها، تستفيد المملكة العربية السعودية من هذا الربط في تعزيز موثوقية شبكتها الكهربائية، ودعم أهداف رؤية 2030 الطموحة التي تسعى لتنويع مصادر الطاقة وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة. كما يفتح المشروع آفاقاً جديدة أمام البلدين للاستفادة من الفائض في إنتاج الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية والرياح، وتبادلها بكفاءة عالية.
على الصعيد الإقليمي والدولي، يمثل مشروع الربط الكهربائي السعودي المصري حجر الزاوية في بناء شبكة كهربائية عربية متكاملة، ويمكن أن يكون نقطة انطلاق لربط أوسع يمتد ليشمل دولاً في أفريقيا وآسيا. هذا التكامل سيعزز من مكانة مصر والسعودية كمركزين إقليميين للطاقة، ويسهل تجارة الطاقة عبر الحدود، مما يسهم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة. كما يدعم المشروع الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ من خلال تسهيل دمج المزيد من مصادر الطاقة النظيفة في مزيج الطاقة الإقليمي.
آفاق مستقبلية واعدة
جاء الإعلان عن انطلاق المشروع خلال اجتماع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي ووزير الكهرباء والطاقة المتجددة، لمتابعة خطة الوزارة لتأمين التغذية الكهربائية للمواطنين خلال أشهر الصيف القادمة. وأكد الوزير شاكر أنه من المخطط إضافة 3000 ميغاوات من الطاقة الشمسية خلال العام الحالي، بالإضافة إلى قدرات جديدة من أنظمة بطاريات التخزين بإجمالي 600 ميغاوات، لتصل القدرات الإجمالية المتاحة بهذه التكنولوجيا إلى 1100 ميغاوات، مما يعكس التزام مصر بتعزيز قدراتها في الطاقة المتجددة.
يُتوقع أن تكتمل القدرة الإجمالية للمشروع، التي تصل إلى 3000 ميغاوات، في مراحل لاحقة، مما سيعزز بشكل كبير من قدرة البلدين على تبادل الطاقة وتحقيق أقصى درجات الاستفادة المشتركة. هذا المشروع لا يمثل مجرد ربط لشبكات كهربائية، بل هو ربط لمستقبل اقتصادي مزدهر ومستدام للمنطقة بأسرها.


