في خطوة تاريخية تعكس التزام الهند الراسخ بتعزيز قدراتها الدفاعية وتحديث أسطولها الجوي، وافقت وزارة الدفاع الهندية رسميًا، من خلال مجلس اقتناء الدفاع برئاسة وزير الدفاع راجناث سينغ، على شراء 114 طائرة مقاتلة متعددة المهام من طراز داسو رافال من الشركة الفرنسية داسو. تُعد هذه الصفقة الأضخم في تاريخ الهند لاقتناء الأسلحة، حيث تُقدر قيمتها بنحو 28 مليار دولار أمريكي، وقد ترتفع إلى ما بين 35 و40 مليار دولار مع إضافة الأسلحة والدعم اللوجستي الشامل.
تأتي هذه الموافقة ضمن حزمة اقتناء دفاعية إجمالية تبلغ قيمتها حوالي 40 مليار دولار، وتشمل أيضًا طائرات استطلاع بحرية من طراز P-8I من شركة بوينغ الأمريكية، وصواريخ متقدمة، وأنظمة دفاعية أخرى حيوية. تمثل هذه الخطوة نقلة نوعية في مسار تحديث القوات الجوية الهندية، التي تعاني منذ فترة من نقص في أسراب المقاتلات الحديثة، وهو ما أصبح ضرورة ملحة في ظل التحديات الأمنية المتصاعدة على الحدود مع الجارتين الصين وباكستان.
السياق الاستراتيجي والتاريخي للصفقة
لطالما كانت الهند لاعبًا رئيسيًا في المشهد الجيوسياسي لجنوب آسيا، وتتطلب مكانتها الاستراتيجية وقربها من مناطق التوتر الإقليمي، لا سيما النزاعات الحدودية الطويلة الأمد مع الصين وباكستان، قوة عسكرية رادعة ومجهزة بأحدث التقنيات. تاريخيًا، اعتمدت القوات الجوية الهندية بشكل كبير على الطائرات ذات الأصل السوفيتي والروسي، مثل طائرات ميغ وسوخوي. ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة تحولًا استراتيجيًا نحو تنويع مصادر الأسلحة والتوجه نحو التكنولوجيا الغربية المتقدمة، بهدف تحقيق التفوق النوعي.
تُعد هذه الصفقة امتدادًا لصفقة سابقة أبرمتها الهند في عام 2016 لشراء 36 طائرة رافال بقيمة 7.8 مليار يورو، والتي أثبتت كفاءتها العالية وأداءها المميز في عمليات حقيقية، مثل غارة بالاكوت الجوية عام 2019. هذا الأداء الموثوق به عزز ثقة الهند في قدرات طائرة الرافال، مما مهد الطريق لهذه الصفقة الأكبر.
تعزيز برنامج “صنع في الهند” ونقل التكنولوجيا
تتضمن الصفقة الجديدة شراء 18 طائرة جاهزة من فرنسا، بينما سيتم تصنيع الـ 96 طائرة المتبقية داخل الهند. يندرج هذا النهج ضمن نموذج الشراكة الاستراتيجية الذي يعزز برنامج “صنع في الهند” (Make in India) الحكومي، والذي يهدف إلى تقليل الاعتماد على الواردات الدفاعية وتعزيز القدرات الصناعية والتكنولوجية المحلية. هذا المكون من الصفقة لا يضمن فقط نقل التكنولوجيا المتقدمة إلى الصناعة الدفاعية الهندية، بل يخلق أيضًا فرص عمل ضخمة ويساهم في تطوير قاعدة صناعية دفاعية قوية ومستدامة في البلاد.
أهمية الرافال وقدراتها الفائقة
تُعتبر طائرة الرافال الفرنسية مقاتلة متعددة المهام من الجيل 4.5، وتتميز بقدرات قتالية جو-جو وجو-أرض عالية، ومدى طويل، وحمولة أسلحة متنوعة تشمل صواريخ ميتيور بعيدة المدى وصواريخ SCALP للضربات الدقيقة. كما أنها مجهزة برادار AESA المتطور ونظام الحرب الإلكترونية SPECTRA، مما يمنحها قدرة متقدمة على العمل في بيئات قتالية معقدة وتحديات متعددة. هذه القدرات تجعلها مثالية لمهام التفوق الجوي، والضربات بعيدة المدى، والدعم الأرضي، والاستطلاع.
التأثير المتوقع على الأمن الإقليمي والدولي
تأتي الموافقة على الصفقة الجديدة بعد سنوات من التأخير في برنامج المقاتلات متعددة المهام (Multi-Role Fighter Aircraft)، الذي كان يستهدف 114 طائرة منذ عام 2007. وتُعد جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية الهند لتعزيز ردعها الجوي في مواجهة التهديدات الإقليمية، خاصة مع التوسع السريع للقوات الجوية الصينية وتحديث باكستان لطائراتها المقاتلة. ستمكن هذه الطائرات الهند من الحفاظ على تفوق نوعي في المنطقة، مما يساهم في استقرار ميزان القوى.
كما أن القرار بالصفقة جاء في أعقاب سلسلة من عمليات الإحالة التدريجية للطائرات القديمة، أبرزها إخراج مقاتلات ميغ-21 من الخدمة بحلول سبتمبر 2025، إلى جانب خطط مستقبلية لإحالة طائرات ميغ-29 وجاغوار وميراج 2000 المبكرة إلى التقاعد خلال العقد القادم. يرى المحللون أن اختيار الرافال لم يكن قرارًا سياسيًا بقدر ما كان استجابة لاحتياجات تشغيلية واضحة وملحة، حيث توفر الطائرة الفرنسية ثنائية المحرك مرونة عالية وقدرات لا غنى عنها للقوات الجوية الهندية في سعيها لتأمين مجالها الجوي ومصالحها الاستراتيجية.


