في خطوة تاريخية وغير مسبوقة، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) عن إنجاز لوجستي وعسكري بارز تمثل في النقل الجوي لمكونات مفاعل نووي صغير غير مزود بالوقود. فقد قامت ثلاث طائرات نقل عسكرية ضخمة من طراز C-17 بنقل مكونات مفاعل “Ward 250” من قاعدة مارش الجوية الاحتياطية في ولاية كاليفورنيا إلى قاعدة هيل الجوية بولاية يوتا. هذه العملية، التي جرت للمرة الأولى، تؤكد التزام البنتاغون بتحديث قدراته في مجال الطاقة النووية وتأمين مصادر طاقة مرنة ومستقلة لمنشآته العسكرية.
تُعد هذه المبادرة ثمرة شراكة استراتيجية مع شركة “فالار أتوميكس” (Valar Atomics)، التي تلعب دورًا محوريًا في تطوير هذه التقنيات المتقدمة. وقد عكس هذا التعاون الحماسة للمشروع، حيث قام مسؤولو “فالار أتوميكس” بتوزيع قبعات تحمل شعار “اجعلوا الطاقة النووية عظيمة مرة أخرى”، في إشارة إلى الأهمية المتزايدة للطاقة النووية في الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية. وقد شهدت الرحلة الجوية، التي استغرقت ساعة واحدة، حضور مسؤولين من البنتاغون ووزارة الطاقة وصحفيين وممثلي الصناعة، الذين تابعوا عن كثب نقل وحدة المفاعل المغطاة بالبلاستيك الشفاف، وفقًا لتقرير صحيفة “وول ستريت جورنال”.
السياق العام والخلفية التاريخية:
لطالما كان للولايات المتحدة تاريخ طويل مع الطاقة النووية في تطبيقاتها العسكرية، بدءًا من الغواصات وحاملات الطائرات النووية التي توفر قدرة دفع لا مثيل لها، وصولاً إلى برامج البحث المبكرة لتطوير مفاعلات نووية محمولة. ومع ذلك، فإن نقل مفاعل نووي مصمم خصيصًا لتوفير الطاقة للقواعد البرية يمثل نقلة نوعية. تأتي هذه الخطوة ضمن استراتيجية أوسع للبنتاغون، مثل “مشروع بيلي” (Project Pele)، الذي يهدف إلى تطوير مفاعلات نووية صغيرة ومتنقلة (Microreactors) يمكن نشرها بسرعة لتلبية احتياجات الطاقة الحرجة. الهدف هو تقليل الاعتماد على شبكات الكهرباء المدنية المعرضة للهجمات السيبرانية أو الكوارث الطبيعية، وكذلك التخلص من الحاجة إلى قوافل الوقود التقليدية التي تشكل أهدافًا سهلة في مناطق النزاع.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع:
يحمل هذا التطور أهمية قصوى على عدة مستويات. محليًا، سيعزز المفاعل “Ward 250” استقلالية الطاقة للقواعد العسكرية الأمريكية، مما يضمن استمرارية العمليات حتى في ظل انقطاع التيار الكهربائي أو الهجمات الخارجية. هذا يقلل من المخاطر التشغيلية ويزيد من مرونة البنية التحتية الدفاعية. على الصعيد العسكري، توفر هذه المفاعلات طاقة موثوقة وكافية لدعم الأنظمة المتقدمة مثل أجهزة الاستشعار عالية الطاقة، والأسلحة الموجهة بالطاقة، ومراكز البيانات الضخمة، مما يعزز القدرات القتالية واللوجستية للقوات المسلحة.
إقليميًا ودوليًا، يمكن أن يغير نشر هذه المفاعلات قواعد اللعبة في مناطق النزاع أو القواعد الأمامية. فبدلاً من الاعتماد على سلاسل إمداد الوقود الطويلة والمكلفة والخطيرة، يمكن للوحدات العسكرية أن تولد طاقتها الخاصة، مما يطيل من مدة المهام ويقلل من البصمة اللوجستية. هذا يمنح الولايات المتحدة ميزة استراتيجية كبيرة في القدرة على نشر القوات والعمليات في أي مكان في العالم بكفاءة أكبر وأمان أعلى. كما أن نجاح هذا المشروع يمكن أن يدفع دولًا أخرى إلى استكشاف حلول مماثلة، مما يؤثر على ديناميكيات الطاقة والدفاع العالمية.
الخطوات القادمة والقدرات:
يهدف المسؤولون إلى تحقيق التشغيل النووي للمفاعل على الأراضي الأمريكية بحلول 4 يوليو 2026، وهو جدول زمني طموح يعكس الإلحاح في دمج هذه التقنيات. وسيساهم تسليم النموذج الأولي المدمج في تسريع هذا الجدول الزمني، ونقل المشروع إلى مرحلة التقييم والاختبارات الشاملة. سينتقل المفاعل الآن إلى مختبر سان رافائيل للطاقة في أورانجفيل بولاية يوتا، حيث ستجري “فالار أتوميكس” اختبارات وتقييمات دقيقة في ظل ظروف محكمة. يبدأ المفاعل بقدرة 250 كيلووات، مع إمكانية الوصول إلى 5 ميجاوات في النهاية، وهي طاقة كافية لتزويد حوالي 5000 منزل. ويؤكد الرئيس التنفيذي لشركة “فالار أتوميكس”، إيزايا تايلور، أن التصميم المدمج للمفاعل يسهل نقله ونشره بسرعة فائقة مقارنة بالمنشآت النووية التقليدية الضخمة، مما يجعله حلاً مثاليًا لاحتياجات الطاقة العسكرية الحديثة.


